الرئيسية » » يعنِى أنَّها ميِّتة | أحمد الشهاوي

يعنِى أنَّها ميِّتة | أحمد الشهاوي

Written By Hesham Alsabahi on الأحد، 31 أغسطس 2014 | 5:17 م

لأسبابٍ كثيرةٍ لا أحبُّ حرفَ الخاء، ليس لأنهُ حرْفٌ ثقيلٌ على الرُّوح، ويأتى نُطقًا من سقفِ الحلْقِ، وليس أيضًا لأنهُ يشكِّلُ مع زميله حرف الغين حيِّزًا واحدًا فى مدارجِ حرُوفِ العربية ومراتبها، لكن لأنهُ يُحيلُ عندى إلى مفرداتٍ تُقوِّضُ النفسَ، وتُسْقمُها، بل تُميتُها، وتُسْقطُ أممًا وحضاراتٍ، كالخرابِ، والخيبةِ، والخذلانِ، والخُمول، والخَبَل، والخطأ، والخطيئة، والخيانة، والخُسران، والخطْف، والخطَر، والخُبث، والخِتان، والخجل، والخدْش، والخِزى، والخرَس، والخبْص، والخزُوق، والخِصام، والخطْب، والخفاء، والخَراء، والخُلع، والخِلاف، والخِداع، والتخلُّف، والخُسُوف، و.. كلماتٍ أخرى كثيرةٍ هى ظواهرُ تكرهُها الرُّوحُ الحُرَّةُ السويَّةُ، ولا يستسيغُها قلبٌ يعرفُ.
لكن تظلُّ لحرفِ الخاء مزايا وفضائلُ أنه حمل على كتفيه مُفرداتٍ هى عندى أكوانٌ وحدها، ك: الخيالِ، والخَلْق، والخُلُق، والخير، والخُلوة، والخُبز، والخيل، والإخلاص، والمخطُوط، ويمكنُ للمرءِ أن يُعدِّدَ ما لفضل حرفِ الخاء فى حقُولٍ كثيرةٍ متنوعةِ الدلالات.
وما يهمُنى من فضلِه الآن هو الخيالُ، إذْ إن أُمَّةً بلا خيالٍ يعنى أنَّها ميتةٌ، ولا سبيل أمام أبنائها للارتقاءِ والسمو والخلْقِ والابتكار والكشْف إلا بركُوب بُرَاق الخيالِ والعُثورِ عليه أولا، لنعيشَ فى معارجَ وإسراءاتٍ، لأنَّ كلَّ حقيقةٍ نراها هى فى الأصلِ محضُ خيالٍ شاطحٍ، يذهبُ نحو البعيد والأقصى، وكم من أصحابِ خيالٍ مُبتكرٍ وجامحٍ اتهموا بالجنون، وأُودعوا السُّجون والمصحات النفسية، لأنَّهم فكَّروا فى أشياء صارت الآنَ عاديةً من فرطِ انتشارها وتداولها والوصول إليها، بعدما كانت من أضغاثِ الأحلام. وصاحب الخيال نشطُ الذهنِ، وليس من أصحاب الجهلِ النشيط الذين يراهم المرءُ منتشرينَ أينما ولَّى وجهه شطْرَ أىِّ مكانٍ. فمن التجاربِ، ومن تكرارِ الخطأ، يصلُ الإنسانُ إلى النقطةِ التى يحلمُ أن يراها رؤيةَ العينِ ظاهرةً فى قلبِ الدائرةِ التى يحلمُ بتشكُّلها أمامه.
والخيالُ مُلازمٌ للإبداعِ، وكالحقيقةِ غير متناهٍ، والمُبدعُ الذى بلا خيالٍ دومًا لا مكانَ له فى تاريخِ الشُّعوبِ، وهو عندى ليس صاحب القلم فقط، ولكن كل من يستطيعُ أن يضعَ يمينى على طريقٍ ثالثٍ لم أرهُ، أو أسمعْ به من قبل، ولم تحلمْ به رُوحى. والخيالُ لا يتكوَّنُ دُونَ معرفةٍ، ودأبٍ، وذكاءٍ مُتوقدٍ، ودقةٍ، وصرامةٍ، وممارسةٍ، وتجريبٍ، ومناخٍ، وبيئةٍ تحضِنُ أصحابَ الجمُوحِ والشَّطْحِ، دُونَ أن نتهمَهُم بالفشلِ ومُعاداةِ الدِّين، إذ كل جديدٍ غريبٌ، وخارجٌ على العادةِ والعُرفِ، ومن الصعبِ بل أحيانا من المستحيلِ تقبلُهُ.فمن يفتح أفقًا هو إنسانٌ شغُوفٌ بالبحثِ والاستقصاءِ والتحرِّى والمعاودةِ وخدمةِ البشريةِ، ولا يستحقُ أن نصمَه بالخرَفِ، ونعوقُ طريقهُ، حتى لو لم يأت إلينا بالبرهانِ، إذْ يكفيه أنه يحاولُ. فكما أن المُصادفةَ تقودُ دومًا نحو الكشْفِ والخَلْقِ، فالبحث- حتمًا- يُؤدِّى فى النهاية إلى نتيجةٍ ما، يمكنُ للآتى أن يعملَ بعدها، ويُكملَ السيرةَ والمسيرةَ، وأنا أؤمنُ بأنَّ المصادفةَ لها أهلُها، ولا تذهبُ أبدًا للخاملين والكسالى. وصاحبُ الخيال ملتزمٌ بأن يعرفَ، أى يعود دومًا إلى قراءةِ التاريخِ ومساءلتِه، والبناء على ما أنجزهُ الأسلافُ، وليس هدم أو حذف أو شطب أو محو أو إقصاء ما خطَّتهُ الأيدى، مثلما كان يفعلُ آلهةُ المصريين القدامى، وصار ذلك «التقليد المنكر» أنموذجًا يحتذيه المصريون المحدثون، كأنَّهُ أتى نصًّا فى الكتبِ المقدَّسةِ، ولا يجُوزُ المساسُ به، أو الانحرافُ عنه.
الخيالُ الذى أطمحُ إليه، والذى يتربَّى فى أرضِ الحريةِ الواسعةِ، هو أن أسعى، وأحاولَ، وأفسحَ لحيِّزِى المجال، وأن أمنحَ وقتًا للتأملِ، إذ لا مستقبلَ ولا حاضرَ بلا خيالٍ، وأن أكونَ بلا سقفٍ، ولا حدٍّ، وأن يكونَ بحرى بلا ساحلٍ، وأن أتعبَّدَ فى محرابِ القراءةِ بلا توقفٍ ولا قيدٍ.
ففى الخيال أنت رئيسُ نفسك، لأنَّ روحَكَ وعقلكَ هُما من يبنيان، ويسألان ويرصُدان.
الخيال يُولدُ من الرؤيا والرؤيةِ، وما منْ كتابٍ مقدَّسٍ أو دينٍ سماوىٍّ أو أرضىٍّ إلا ودعا إلى الخيال، لأنَّ عقلَ الإنسان مُنتجٌ دائمٌ للخيال، وقد فُطِرَ على ذلك، والعقل الذى تصيبهُ بلادةٌ هو من تأثيراتِ المُحيطِ والبيئةِ والخيباتِ المتراكمةِ. وابن الشدائد دائمًا ما يبتكرُ الحلَّ والحِيَلَ، ويخرجُ على المألوف، أو على الأقل يخرجُ على حاله التى لا يرتضيها، لأنَّها تُرْدِيه فى وحلِ الكسلِ والاتكالِ والشحاذةِ والاستجداءِ من الآخر، الذى يعايرُ طوال الوقت بأنه الأذكى، والأقدر على المنحِ والخلق والكشف.
الخياليون حالمون، وعارفون، يُحولون الوجدَ إلى وُجودٍ، وإن كان أينشتاين قد قال يومًا كلمةً لا أوافقُهُ عليها، وهى أنَّ «الخيال أهم من المعرفة»، إذ لا خيالَ دونَ معرفةٍ، ولكنه قد أكدَّ أهميةَ الخيال فى صناعة الإنسان، واستمرار الأمم، وما سُقوط الحضاراتِ فى التاريخِ الإنسانى إلا نتاجٌ لضيقِ أفق أصحابها، وانسدادِ أوعية وشرايين المُخيلة فى قلوب رؤوسهم. خُلق الإنسانُ ليسعى، ويتأملَ، ويسألَ، ويصفَ، ويُأوِّلَ، ويستلهمَ، ويذهبَ نحو الجوهرِ والمتنِ لا المحيط والهامش، يخطُو نحو المسكوتِ عنه والمنسى، والمُهْمل، ليؤسِّسَ ويبنى ويُعمِّق. الشَّاطحُ أو ابنُ الخيال مُخلصٌ للحقِّ والحقيقة، ليس واهمًا، هو ابن الفعلِ المُضارِعِ المُستمرِ، وليس ابنًا لأفعالِ الماضى، هو ابنٌ للحَدْسِ والعرفانِ والحس والعقل والتاريخ، وابنٌ لوجْدِهِ.

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.