الرئيسية » » الشاعر والأسطورة والمقدس قراءة في ديوان " واحدٌ يمشي بلا أسطورة " لـ أشرف البولاقى | فتحى عبد السميع

الشاعر والأسطورة والمقدس قراءة في ديوان " واحدٌ يمشي بلا أسطورة " لـ أشرف البولاقى | فتحى عبد السميع

Written By Hesham Alsabahi on الثلاثاء، 26 أغسطس، 2014 | 11:57 م

الشاعر والأسطورة والمقدس
قراءة في ديوان " واحدٌ يمشي بلا أسطورة "
لـ أشرف البولاقى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأساطيرُ في أبسطِ تعريفاتها هي حكايات الأولين المقدسة ، وهى ترتبط بالشعر مِن حيث اللغة المحلقة ، وقوامها المجازي الذي يتداخل فيه الخيالي مع الواقعي تداخلا قويا، والكثير من النصوص الأسطورية التى فَقَدت قيمتَها الدينية ما زالت تدهشنا كنصوص شعرية مِن الدرجة الأولى ، أو تَمنحُنا هذا الانطباعَ القوي بأنَّ جذورَ الشعرِ تكمُن في الأسطورة، وترجع إلى تلك الفترة الزمنية البعيدة التي كان الشعر فيها وثيقَ الصلةِ بالكهانة والطقوس الدينية ، والحقيقةُ أن تلك الفترةَ المبكرة من الوجود الإنساني لم تشهدْ فصلا بين الديني والدنيوي كما هو الحال في عالمِنا المعاصر، وكانت الأسطورةُ وقتَها الشكلَ الرمزي الذي صَبّتْ فيه المعارفُ المختلفة سواءٌ أكانت دينيةً أم فلسفية أم علمية ، إلا أن حركة البشريةِ بدأت تعرف الفصلَ بين تلك المجالات حديثا ، حيث استقلت الفلسفةُ عن الأسطورة في البداية، وبدأت تَظهر كخصمٍ مناوئ لها، وفي فترةٍ لاحقة انفصلَ العِلمُ عن كليهما وصار هو الآخر مناوئِا للأسطورة، يُعِدّها عقبةً في طريقه، ويَرفض كل تصالحٍ معها. ورغم قوته الكاسحة إلا أنه لم ينجح حتى تلك اللحظةِ في القضاء على الأسطورة، بل وصارت هيمنةُ العِلم في عصرنا مَدعاةً لظهور نزوعٍ إنساني إلى الأشكال المناوئِة للعِلم بعد أن ثبتْ للكثيرين عجزُ العِلم وحدَه عن تحقيق غايات الإنسان، وإشباعِ حاجاته التي لا تقف عند البُعد المادي لكينونته. 
وديوان "واحدٌ يمشي بلا أسطورةٍ" * للشاعر أشرف البولاقى يأخذُنا لعالَمِ الأسطورة منذ العنوان الذي يثير أسئلةً ترتبط بالأسطورة، وعلاقتِها بالشاعر، ودلالة التجرد منها وحدوده، وغيرها من الأسئلة التى أراد الشاعرُ أن تتحرك في أذهاننا قبْل الولوج لعالمه. ونحن لا نستطيع الوقوفَ على تلك الدلالات إلا من خلال نشاطٍ نقدي يعتمد على المراوحة بين الشكل والمغزى ، فَكيْ ندركَ المغزى ينبغي أن نستوعب الشكل ، وكي نستوعب الشكل يجب التدقيقُ في المغزى ، فالشاعر لا يقدم لنا موضوعا، بل حالةً لا ينفصل فيها الشكل عن المحتوى. 
والديوان عبارةٌ عن قصيدةٍ طويلة، الأمرُ الذي يَكشف عن تجربة شعرية لا تقوم على اقتناص حالات شعرية مختلفة تجسّد اشتباكَ الشاعر مع محيطه في أوضاع وظروف متباينة، بل تقوم على معايشةِ حالةٍ واحدة ثابتة، وممتدةٍ في الزمن وتبلغ من الحِدة درجةَ الحاجةِ إلى مساحة كبيرة كى يتمكن الشاعرُ مِن الاشتباك معها والخوضِ في تعقيداتها، ويرتبط طولُ القصيدةِ بعنصر الزمن فيها، فالذاتُ الشاعرة تنتقل من الحاضر إلى الماضي البعيد وتستدعي قصةَ يوسفَ عليه السلام وفْقَ آلياتٍ مختلفة، لنجد أنفُسَنا أمام أحداثٍ جاريةٍ في الوقت الحالي لكنها لا تنفصل عن أحداث سابقة، والشاعرُ حين يطرح تجربتَه على هذا النحو فهو يُخرِجنا من إطار القصيدة كحالة إلى إطار القصيدةِ كمشروع ، وطولُ القصيدةِ يذكِّرنا بتلك القصائد الطويلة التي كانت تُعلَّق كما هو شائع على أستار الكعبة، ليتداخلَ الشعري مع المقدس تداخلا واضحا، وهو تداخلٌ أصيل كما يتجلّى في نظرةِ المُشركين للقرآن الكريم باعتباره قولا شعريا، وهو ما نَفَاه النصُّ القرآني في أكثر من موضع، وهذا التداخل نراه أيضا في قصيدة البولاقي، وسوف نتوقف لاحقا مع طبيعته، ويَعنينا مِن طول القصيدة هُنا هو كشفُها عن مهارة الشاعر في البناء ، والجهدُ المبذول في تصميمها والتحكم في مسيرتها مِن بدايتها إلى نهايتها، وهو أمرٌ شاق يتطلب تركيزا كبيرا، ومعايشةً طويلة، وهو محفوفٌ أيضا بمخاطرَ عدة، فالنص الطويل عُرضةٌ للترهل أكثر مِن النص القصير، ويمكن أن يصيبنا بالملل، أو يُشعِرنا بالافتعال ، ولا بد أن نشعر بالإثارة منذ بدايته حتى نهايته، وإنْ لم يستحوذْ علينا جَماليا فلن يَشفع له شافع.
تُرى كيف تمَّ بناءُ تلك القصيدةِ الطويلة؟ وكيف صبَّها الشاعرُ في كُتلةٍ واحدة؟

(1) كثافة الشخصيات
لقد اعتمدَ الشاعرُ على مجموعة مِن التقنيات مِن أبرزها إبداع عدة شخصيات تَظهر بامتداد الديوان لتشكل عمودا فقريا له بجوار الذات الشاعرة، منها التاريخي كشخصيةِ يوسفَ عليه السلام، وشخصيةِ الأبِ التى تتداخل مع صورة يعقوبَ عليه السلام، ويتكرر ظهورها في الديوان حوالي عشرين مرةً تتوزع على مواضعَ متفرقةٍ.
وقد تكون الشخصيةُ معاصرةً كشخصية البنت، والتى تَظهر في الثلث الأخير من الديوان لتصبح محورا له، الأمرُ الذي يشير إلي أنها ولِدتْ أثناءَ الكتابة، ولم تكن وليدةَ تصميم مسبق، بل جاءت لتلبِّي حاجةً جمالية ودلالية ، وتمنح فرصةً للنَّفَس الشعري الطويل لاكتساب جرعة من الحيوية تُعينه في مشواره الشاق والمعقّد لطرح تباريحه ورؤيته في إطارِ نصٍ محكَمِ البناء.
كما يعتمد الشاعر على شخصية رمزية وهي شخصية البحر، التى تتجسد في مجموعة كبيرة من الصور الحسية، وهكذا يَظهر البحر في أكثر من عشرين موضِعا متفرقا بامتداد القصيدةِ/ الديوان ليلعبَ دورا كبيرا في ربط أجزاء القصيدة ، فضْلا عن دوره في إثرائها جماليا ودلاليا.
وبالإضافة لتلك الشخصيات الرئيسة هناك شخصياتٌ ثانوية كثيرة كشخصية الأُم ، والإخوة، والجنود وغيرها، وقد ساهمتْ كل تلك الشخصيات في خلق حالة درامية كانت هى الداعمَ الأساسي لحيوية القصيدة/الديوان. 
وقد قامت تجربة الشاعر على حشد تلك الشخصيات في جبهتيْن متصارعتين، فهناك جبهة الشاعر والبحر والبنت، وهناك جبهة مناوئِة تحتشد فيها مجموعةٌ من الشخصيات مثل امرأةِ الشاعر، وإخوتِها، والجنود، والرواة، والشاعر المتورط مع النظام إلى آخره، والجبهة الأولى تبدو الأقلَ من حيث الكثافة العددية، كما تَظهر كموضعٍ للقهر بأنواعه المختلفة، وشخصيات الجبهة الأولى يمكننا التمييز بين خصوصية كل منها ، لكنها تتحرك جميعا في إطار معين ، وكأنها وجوهٌ متعددة لشخصية واحدة، فالبحر مثلا يظهر خلالها صورة الذات الشاعرة ، ويتجلى ذلك في الخيوط الدلالية التى تمتد منذ بداية الديوان حتى نهايتِه، وعلى سبيل المثال يقول الشاعر:
" على مقهىً .. 
أُفكرُ كيفَ يُمكِنُنى لقاءُ البحرِ ؟ 
يجلسُ هذه الأيامَ عندَ صديقةٍ 
يتحدثانِ عن القصيدةِ 
كيف يركضُ خلفَها الأشرارُ 
وهْى فقيرةٌ ؟! 
ويفكرانِ 
هل البلادُ جريحةٌ ؟ 
والأنبياءُ هل اختفَوْا بعدَ الحرائقِ ؟ 
لم يكنْ 
للبحرِ من قبلُ 
اهتمامٌ بالتفاصيلِ الدقيقةِ 
فى حياةِ الأنبياءِ 
لعلَّهُ مثلى يمرُّ بأزمةٍ 
أو رُبّما يحتاجُ أن يتأمَّلَ التاريخَ
أو يتتبَّع الثوراتِ .... "
يَظهر البحرُ هنا في صورةٍ حسية يتجلى من خلالها في هيئةٍ إنسانية، كما يظهر تداخله مع المتكلم في النص عبْرَ أكثر من علاقة، فهناك الصديقة المشتركة، وهناك شاغلُ القصيدةِ الذي يَجمع بين الشخصيات الثلاث البحر والصديقة والمتكلم، وهناك علاقة التشابه التى تتراءى للمتكلم والتى تَجمع بينها في إطار المرور بأزمة، والحاجة لتأمل التاريخ ، وتتبعِ الثورات، وهُنا يصبح البحر في القصيدة مِرآةً تَعكس الذات، وتفتح الطريقَ لطرحٍ غيرِ مباشر لجوهر انشغالاتها، ولو نظرنا للخيوط الدلالية في المقطع السابق سوف نراها تضم :ـ 
1ـ الذات : التى تمر بأزمةٍ عامة، تدفعها إلى تأمل التاريخ وتتبعِ الثورات. 
2ـ القصيدة : الفقيرة التى يطاردها الأشرار، موضع حفاوة الذات والعنصر الأساسي في تشكيل هويتها. 
3ـ البلاد الجريحة، موضع انتشار الحرائق المدمرة، ومنبع أزمة الذات. 
4ـ المقدس الذى يتمثل هُنا في الأنبياء وتفاصيلِ حياتهم الصغيرة، باعتبارها مجال الفعل الواعد بالخلاص. 
وتلك الخيوط الأربعة تمتد منذ بداية الديوان حتى نهايته، قد تتباعد تارةً فنرى الخِطاب يركز على خيط ٍ ثم ينتقل إلى آخر، ثم يعود إلى السابق، وهكذا، ورغم هذا التباعد الذى يبدو أحيانا على المستوى الظاهر إلا أن تلك الخيوطَ تتداخل لتصنع قوامَ القصيدة /الديوان.
وهكذا يلعب تعددُ الشخصيات دورا كبيرا في منْح الشاعر فرصةً لبناء المطوَّلة، كما أتاح له الفرصةَ لصنع حالة درامية نجحتْ في الخروج بالمطوَّلة من محدودية الصوت الواحد، ورتابتِه .

(2) الحشد الاستفهامي
بالإضافة إلى الشخصيات السالفة، اعتمدَ الشاعرُ على مجموعة من الأساليب التى لعبت أكثرَ مِن دور مثل أسلوب الاستفهام الذي تكرر ظهورُه أكثرَ من ثمانين مرة، وهذا التكرار الأسلوبي صنع خيطا إيقاعيا داخليا لَعِب دورا مهمّا في بناء القصيدة، وأتاح للشاعر التحركَ بخفةٍ مِن خطوة إلى أخرى، كما أتاح له توريطَ المتلقي في القصيدة ، فالسؤالُ لا يقدم معلومة مباشرة بل يَفتح البابَ لنشاط المتلقي في صُنع الحالة ، ومِن هُنا يصبح فاعلا في النص بشكل ما، وتلك الفاعلية تعود بالنفع على النص لأنها تُثريه ربما بدلالات لم تكن في حسبان الشاعر، ومن ناحية أخرى تساهم في جعلِ النص حيا وقادرا على مواجهة خطر الملل حالَ تسرُّبِه مع طول النص، وعلى سبيل المثال تبدأ القصيدةُ على هذا النحو: 
لماذا 
" قلتُ لامرأتي استريحي ؟
كان حدَّثني الرواةُ 
بأنني سأموتُ 
بعد دقيقةٍ خضراءَ 
أو آوىي إلى جَبَلٍ 
فيعصِمُنى مِنَ الرؤيا "
السؤال هنا يلعب دورا تحفيزيا، فهو يثير فضولَ المتلقي لمعرفة الإجابة، لأنه يحيل إلى عالم النص وما يحمله من أحداث، وفي ظل انتظار المتلقي لإجابةٍ يَنعطِف السياقُ إلى حدث آخرَ لا علاقة له ظاهريا بالحدث موضعِ السؤال، وهنا يكون انتظار الإجابة رابطا يشد المتلقي لمتابعة خطوات الشاعر، وفي ظل حالة الانتظار يصبح المتلقي متورطا في السؤال عن العلاقة بين نقطة البدء وحديثِ الرواة في الماضى، وأخيرا يحيلنا السؤالُ إلى متكلمٍ لا يلقِّننا معلومة، بل هو يَسترجع كلامَه ليتأمله ، فغايتُه هي توريطُنا في عالم النص لا نقله، وتوالي الأسئلةِ يؤكد هذا باستمرار، والأمرُ لا يقتصر على المتكلم في النص، بل كثيرا ما تَظهر شخصيات النص في حالة سؤال ، أو تفكير، الأمرُ الذى يجعل السؤالَ لا يلعب دورا جماليا في بناء النص فقط، بل دورا أساسيا في رسالته والتى تَهدف ـ مِن ضمن ما تهدف ـ إلى ترسيخ السؤال كقيمةٍ ضرورية فى ظل عالم تهيمن عليه الأكاذيبُ والمؤامرات.
والشاعرُ لا يكتفى فقط بإثارة الأسئلة بل يسعى إلى تقديم إجابات، لكنها تأتي هي الأخرى في هيئةِ الأسئلة ، ومِن ثم تكتسي بلمسة جمالية لا تَحظى بها الإجابة المباشرة ، فالإجابة بالتساؤل لا تضع حدا نهائيا تقف الدلالة عنده كما هو الحال في الإجابة اليقينة أو التلقينية المغلقة يقول الشاعر: 
" أنا مَنْ أنا ؟
هل فاتحٌ ؛ 
فأدُسَّ أشواقى بعيداً
عن بناتِ النيلِ ؟
أم أنا شاعرٌ
أُخفي وراءَ الحرفِ
ثاراتٍ وثوراتٍ ؟
أدكُّ بها المواسمَ والبلادَ ؟ "
وقد تَظهرالإجابة بشكل مباشر، محكومةً بإطار يقيني مغلَق، لكن ظهورها لا يأتي طيعا مريحا، وعلى سبيل المثال يتساءل الشاعر:
" هل قالت التوراةُ شيئاً عن أبي ؟
أنا يوسف ...............
وبعد مرورِ أحدَ عشرَ سطرا يعود الشاعر ليسأل : 
" هل قالت التوراةُ شيئاً عن أبي ؟ 
في البدءِ كان البحرُ قِدّيساً ...... "
وبعد صفحات طويلة نقرأ : 
أبي 
.. لم تذكرِِ التوراةُ غيرَ بكائهِ "

النص هنا يقدم إجابةً حاسمة جازمة عن السؤال، لكنها تأتي متأخرة جدا، فلماذا لم تأتِ منذ البداية، بل لماذا كان السؤال أصلا؟ 
على المستوى الفني يلعب السؤال هُنا دورا في بناء النص ، فبدايةً مِن ظهوره الأول، ثم تكراره، وصولا إلى الإجابة يصبح خيطا ممتدا في نسيج القصيدة، كما يلعب دورا في إثارة المتلقي الذي يتطلع لإدراك العلاقة التي تربط الأبَ بالتوراة، وعلى المستوى الدلالي يقدم الشاعر مفتاحا يبدد الإبهامَ الذي ينتابُنا ونحن نفكر في العلاقة بين الأبِ والتوراة، ويتمثل هذا المفتاحُ في قوله " أنا يوسفٌ"، وهنا ينفتح الذهنُ على صورةِ يعقوبَ عليه السلام ، وتمتلئ بتفاصيلَ كثيرةٍ، لكن صيغة السؤال تبدو أمكرَ من الإجابة التى نتوصل إليها، والتى يمكن تلخيصها في عبارة مُغلقة " نعم قالت التوراة شيئا عن والد يوسف" وتلك الإجابة تبدو ساذجةً لأنها تَفترض سذاجةَ السؤال، فالولدُ في التوراة يَختلف عن الوالد في القصيدة، ويتبدد شعورنا بسذاجة السؤال عندما يتكرر مرة أخرى في سياق مختلف، وهكذا يلقي السؤال بنا ـ إلى حين ـ في فضاء مفتوح يحفِّزنا على مواصلة المتابعة، وعندما نلتقي بإجابة النص على السؤال تصبح كل التفاصيل التى استدعاها الذهنُ بلا جدوى، لأن الإجابة تستبعد كل التفاصيل وتقتصر على أمرٍ واحد فقط هو بكاء الأب، وتتأخر تلك الإجابة كثيرا لأن التفاصيلَ التى لا جدوى منها بالنسبة إلى رؤية الشاعر تلعب دورا آخر هو وضعنا فى سياق معين قوامه أجواء القصة المعروفة، وتلك الأجواء يستثمرها الشاعرُ جماليا في توصيل رسالته. 

(3) التكرار و التعجب
وبالإضافة إلي كثافة الأسئلة في الديوان تأتي كثافةُ التعجب، حيث تتكرر علامة التعجب أكثرَ مِن خمسين مرة، لتلعب بذلك أدوارا مشابهة لأدوار الأسئلة، ومِن أهمها ظهور المتكلم بشكل يتساوى فيه مع المتلقي من حيث عدم إدراكه لسر المشهد الذي يطرحه، ومِن ثم فهو يورِّط المتلقي أكثرَ في إنتاج الدلالة، والاندماج في عالم النص، كما أن التعجبَ يلعب دورا آخر في بعض المواضع كالسخرية ، كما هو الحال في وصف أكاذيب الرواة بالنُبْل، وهو في كل الأحوال يُثري النص جماليا ويساهم في إنقاذه من الرتابة، ويولِّد إيقاعا داخليا خفيا، ويوفر الفرصةَ لعدم الغرق في التفاصيل التى لا ضرورة لها، والانتقال بخفة من مقطع إلى آخر، لأن الهدفَ هو نقل حالة شعورية، واستيعابُها ككُل هو الذى يُفضي بنا لإدراك سر الكثير من المواضع التي تنتهي بعلامة التعجب، أما الخوض في كشف السر بشكل مباشر فمِن شأنه أن يصيب القصيدةَ بالترهل ويُفقِدها توهجَها الشعري، أو يحولها لمادة تلقينية لا تتجاوز السطحَ إلى الأعماق.
ولا يتوقف التكرار عند الاستفهام والتعجب، بل يمتد إلى تكرار كلمات مثل التوراة، أو جُمَل مثل " سأموتُ بعد دقيقةٍ" ليلعب هذا التكرار دورا إيقاعيا ، كما يلعب دورا في بناء النص وربطِ أجزائه، خاصةً وأن الشاعر كثيرا ما ينتقل انتقالاتٍ مفاجئة ، حيث يضع المتلقي أمام صورة، أو حالة معينة، ولا يواصل مسيرتَه بل ينتقل إلى صورة أو حالة أخرى على نحوٍ يكسر السياقَ دون إشباع المتلقي. 

(4) الخطاب النبوي
يَظهر الخطاب النبوي مِن خلال ارتداء بطلِ القصيدة لقناع يوسفَ عليه السلام. ويتوحد القناع مع أنا المتكلم بشكل واضح مِن خلال صيغة "أنا يوسفٌ" التى تتكرر في أكثر من موضع، كما يَظهر من خلال تكرار تفاصيلِ قصة يوسفَ عليه السلام في مواضعَ كثيرة، ولا تأتي تلك التفاصيل متطابقةً مع سياقها المعروف، بل يضعها الشاعر في سياق مختلف تماما، فالشاعر لا يَهدف إلى ترصيع ديوانه بتلك التفاصيل، بل يوظفها لخدمة القصيدة، ومقياسُ التعامل مع تلك التفاصيل يخضع لرؤية الشاعر وطبيعة العالم المطروح في الديوان، فاللجوءُ إلى شخصيةِ يوسفَ ينبع من خلال تفاصيل ذلك العالم يقول الشاعر: 
" أنا يوسفٌ : 
مُذْ قالت امرأتي لإخوتِها 
- اقتلوه ! "
إن اتحادَ أنا المتكلم مع يوسفَ يُولََد فى زمن معين، ومِن خلال حدث معين، هو التآمر على قتلِه، أو الشروع فيه، وهو الحدث الذى يربط مصيرَ المتكلم بمصير يوسفَ مِن حيث التشابه لا التطابق، ويَظهر التأكيد على ذلك من خلال العناصر المُنفذة للمؤامرة، فهُمْ إخوةُ امرأتِه، لا إخوته بخلاف القصة المعروفة، وعلى هذا النحو تمضي استدعاءاتُ الشاعر لتفاصيلِ قصةِ يوسفَ، فالشاعر يستفيد من أجواء القصة في ذهن المتلقي، لكنه ينحرف بتلك التفاصيل من سياقها المعروف إلى سياق آخر يرتبط بعالم النص وما يتخلله من صراعات تنتمي للحاضر، والاستدعاء على هذا النحو يلعب دورا جماليا، ولا يتوقف عند هذا الدور بل يساهم في بلوغنا لجوهر الأزمة المطروحة في الديوان، وذلك بالتأكيد على عمقها التاريخي ، فهي وليدةُ تراكماتِ الماضي، والشاعرُ يحيلنا في مواضعَ عدةٍ للتوراة كمصدرٍ للتفاصيل المُستدعاة، رغم وجود تلك التفاصيل في القرآن الكريم ، وتلك الإحالة تبدو مقْحَمةً، فلماذا يحيلنا الشاعر للتوراة ما دامت تلك التفاصيل موجودةً في مصدرٍ هو الأقرب إلى المتلقي، وهو القرآن الكريم،خاصة وأن تلك التفاصيل المستدعاة لا تَخرج عن الوارد في سورة يوسف؟
إن الحديثَ عن التوراة هنا لا يرتبط بسياق القصة بقدْرِ ارتباطه بأزمة العالم المطروح في القصيدة ، والشاعر يوجِز لنا سرَّ تلك الأزمة في مشكلتين هما التأويل والتطبيع يقول الشاعر :
" كان البحرُ 
قبْلَ فضيحةِ المَنفَى وجودياً 
يراني واحدَ الذِّكرَى
ويَعرفُ إخوتي
وطِلاءَ منزلِنا القديمِ
وفكرةً أُولى عن النِّيلِ المُقدَّسِ
والفراتِ
لعلَّهُ مِثلي تأوَّلَ مرَّةً
أو حدَّثَ امرأةً عن التَّطبيعِ "
ينعكس هنا حالُ بطلِ النص من خلال مِرآة البحر، فالبحر يتعرض للمنفى الذي يوازي تعرُّضَ المتكلم للقتل، وكما ارتبط القتلُ بميلاد البطل في هيئة يوسف ، يرتبط المنفى هنا بالتأويل، والتأويل يلعب دورا مهمّا فى قصة يوسف، وكذلك الأمر في حكاية بطل النص أيضا، وعلى هذا فأزمة التأويل لا ترتبط بزمن النص، ولكنها قديمة جدا، وهنا تصبح التوراة نموذجا مثاليا لتلك الأزمة، بينما تصبح صورة يوسف كما جاءت في القرآن نموذجا مثاليا للبطل كما يراه الشاعر، وعلى هذا لا يصبح تكرار لفظ التوراة مقْحَماً لأن التوراة ترتبط بأزمة النص لا بتفاصيل الشخصية المستدعاة. 
أما المشكلة الأخرى وهى مشكلة التطبيع فتكشف عن عنصر أساسي في الصراع وهو الكيان الصهيوني، وعلى هذا يكون التأويل هو جوهر الأزمة داخليا، والكيان الصهيونى هو جوهر أزمَتِها خارجيا، والمشكلتان متداخلتان لأن الكيان الصهيوني أيضا يتغذى على تأويلٍ معين للنص المقدس ، ومِن هُنا يصبح استدعاء القصة لا يلعب دورا جماليا فقط، بل هو جزءٌ أساسي من صميم رؤية الشاعر وجوهر الصراع في عالم النص.

(5) الخروج من الأسطورة
هُنا يمكننا الرجوع إلى كلمة الأسطورة في عنوان الديوان كمفتاح يقدمه الشاعر ليشيرَ إلى جوهر التجربة، وكلمة الأسطورة تتكرر في متن الديوان ثلاثَ مرات، والعنوان عبارة عن سطرٍ مأخوذٍ من المتن بتصرف يسير لا يخلو من دلالة حيث يقول الشاعر : 
" أنا واحدٌ 
أمشي بلا أُسطورةٍ 
وأخافُ مِن كُتبِ النُّحَاةِ ! 
ومِن حديثِ الأنبياءِ عن القيامةِ ! "
لقد تغيرت الصيغة تغيرا طفيفا عندما انتقلت من المتن إلى العنوان، ويتمثل هذا التغير في حذف ضمير المتكلم " أنا"، واستبدال ألف " أمشي" بياء، لتصبح "يمشي"، ويظهر دال الأسطورة في العنوان محمَّلا بأهمية خاصة ، فهو يجذب اهتمامَنا أكثرَ من الكلمات الأخرى، فكلمة أسطورة تستدعي عالما خاصا يرتبط في أذهاننا بالإثارة والسمو عن العادي والمألوف، بخلاف كلمة "واحد" أو "يمشي"، كما أن الإثارة تنتج من كون كلمة أسطورة تجعل العنوانَ يأخذنا إلى فضاء مفتوح يثير تساؤلاتٍ ولا يقدم تقريرا مغلقا ، لأن الكلمة لا تقدم نفسَها بوضوح ، والباحثُ المختص يعرف أن كلمة الأسطورة ليست من الكلمات الهينة بل أثارت – وما تزال- تثير الجدلَ، وكذلك المتلقي العادي لا يستطيع أن يتلقى الكلمةَ بشكل واضح تماما، ونحن نعرف أن الشاعرَ عندما يستخدم الكلماتِ كثيرا ما لا يتوقف عند الدلالة المألوفة للكلمة، بل يمكن أن يضعها في سياق يجعل لها دلالةً تبتعد عن الدلالة الشائعة لها، وكل ذلك يجعل عنوانَ الديوان مثيرا من ناحية ، وكاشفا من ناحية أخرى عن منطقة مهمّة في الديوان، ومن ناحية ثالثة يشير أيضا إلى نهْج الشاعر فى تبنِّيه تكنيكا يضع النص في إطار مفتوح ، لا يقدم نفسَه طواعيةً، بل يتطلب نشاطا موازيا من المتلقي ، والشاعر يعوِّل كثيرا على ذلك النشاط في سد ثغرات معينة يتركها قصدا.
وإذا كانت الأساطير في أبسط تعريفاتها هي حكايات الأولين المقدسة، إلا أن دال الأسطورة فى الديوان يقترب من المعنى المعجمي للأسطورة بوصفها مرادفا للأباطيل والأكاذيب التى تُنسَج لأهداف معينة وتلُحق بالنص المقدس، وفي هذا الإطار تأتى التوراة كنموذج مثالي لتدخل الجهد البشرى في النص المقدس، فمِن الثابت دخو خلال الأساطير التى دخلتْ بعضَ كتب التفاسير، أو وُضِعتْ في صورةِ أحاديثَ نبويةٍ، ومهما كان الهدف مِن نسج تلك الأساطير إلا أنها تبقى فى النهاية أثرا بَشريا يكتسب هوية مقدسة، وهذا الأثر البشري قد يكون حكيما لكن حكمته ستظل في النهاية مرهونة بالقُدرة البشرية وظروفِها التاريخية والثقافية، ومع تغيُّر تلك الظروف يمكن أن تَفقد تلك الحكمةُ قيمتَها بينما تَبقى النظرة التى تقدسها، وهكذا نجدا أنفسَنا أمام مقدس كاذب يجدر الفرارُ منه، وهذا الفرار ينسحب بالضرورة على الجماعة التى تتوحد بالأسطورة، وترى في الخروج على الأسطورة خروجاً عليها.

(6) حضور المقدس
إن حضورَ المقدس في الديوان يبلغ من الكثافة حدَّ ذهابِنا للقول بأن التجربةَ في جوهرها تقوم على فكرة تأويل المقدس وما يرتبط بها من تداعيات سياسية واجتماعية.وتأتي كلمة التأويل صراحةً في عدة مواضع، كما تَكثر المظاهر التي تحيلنا إلى المقدس ، فالتقديس يأتي صراحة من خلال مفردة كمفردة "قدِّيس" ، أو يَظهر بشكل سلبي من خلال مفردة كمفردة "كافر" ، أو من خلال حضور كتابات مقدسة مثل "التوراة" التي تتكرر عدة مرات ، والتناص مع القرآن الكريم الذي يتكرر أيضا في مواضعَ كثيرةٍ ، كما يَظهر المقدس من خلال حضور شخصيات مقدسة بشكل مباشر مثل الأنبياء، والمسيح ، ويوسف عليهم السلام ، وبشكل غير مباشر كيعقوبَ، ونوحٍ، وموسى عليهم السلام، وذلك من خلال التناص مع آيات تذكِّرنا بهم، كما يَظهر المقدس من خلالِ أماكنَ أو أفعالٍ تتسم بالقداسة مثل الكنائس والصلاة. 
وظهورُ المقدسِ في الديوان يرتبط دائما بحالة صراع تتولد عنها أحداثٌ أليمة كالقتل، والصلب، والحرق، والنفي، ويُظهِر ارتباطُ رؤيةِ القصيدة بالمقدس في الكثير من الصور أزمةَ المقدس يقول الشاعر مثلا : 
" أجراسُ الكنيسةِ في بلادي
لا تدُقُّ لعاشقيها ! "
إن أكثر الحالات الإنسانية اتصالا واندغاما هي حالة العشق ، لكن تلك الصورة تقدم لنا أمرا معكوسا ، لتظهر حالة انفصال بين المكان المقدس وعشاقه، وهي علاقة غير طبيعية ترتبط بمكان بعينه وهو بلاد الشاعر، لا كل البلاد. وهذا الأمر نراه في صورة أخرى يقول الشاعر:
" سوف نقرأُ 
- في مَساءٍ مَا -
مُعلَّقَةً
ونفتحُ قلبَنا 
لمُجاهِدٍ صلبوهُ
أو لمُحَرَّقٍ "
دال المجاهِدِ هنا كالعاشق في الصورة السابقة، وهو يكتسب هويتَه من التحامه بالمقدس التحاما قويا، فبدون اتصاله بالمقدس لا يصبح مجاهِدا، ومن ثم فهو يستحق الحفاوةَ في ظل مجتمع يحتفي بالمقدس، لكنه هُنا لا يجد سوى الصلب والحرق، وحالةُ الصلبِ تطالِعُنا في أكثر من موضع، فنراها ترتبط بالجزء المنير في حياة المتكلم كما في قوله " كواكبي مصلوبة". كما نراها كمصير محتمَل له كما في قوله " ربما سنموتُ مصلوبَيْن لا يدري بنا الشعراءُ" ، كما نرى الصراعَ في علاقة الأنبياء بالمكان :
" ... والأنبياءُ تفرّقوا
ما بينَ مَنْفيٍّ هناكَ ،
وبينَ مُعتقَلٍ هنا ، 
ومُهاجرٍ !! "
المقدس إذن يرتبط ارتباطا وثيقا بأزمة البلاد ، ومن هنا يصبح الإمعانُ فيه إمعانا في سر تلك الأزمة، ووسيلة للخروج منها:
" لم يكن للبحرِِ مِن قبلُ 
اهتمامٌ بالتفاصيلِ الدقيقةِ 
في حياةِ الأنبياءِ 
لعلَّهُ مثلي يمرُّ بأزمةٍ 
أو رُبّما يحتاجُ أن يتأمَّلَ التاريخَ
أو يتتبَّع الثوراتِ .... "
ونلاحظ هنا اقتصارَ البحثِ على التفاصيل الدقيقة في حياة الأنبياء، ونحن نعرف أن تلك التفاصيلَ كانت مِن أبرز الأبواب التى دخلتْ منها المادةُ الأسطورية إلى رحاب المقدس، فلم يذكُرِ القرآنُ الكريم كلَّ تفاصيل حياة الأنبياء، الأمرُ الذى جعل الرواةَ يتطوعون للبحث عن تلك التفاصيل، فيعتمدون على ما يُعرَف بالإسرائيليات، أو اعتماد حكايات متداولة ومجهولةِ المصدر لتكتمل صورةُ الأنبياء المقدسة بتفاصيلَ بشريةٍ غيرِ مقدسة، والنص يأخذنا إلى ذلك بوضوح:
" رُبّما ستشيرُ 
– ناحيةَ الجُناةِ - البنتُ
لو فعلتْ ؛
سأنجو من أكاذيبِ الرواةِ "
وهكذا ترتبط مِحنة البحر هُنا، وكذلك بطل القصيدة ، بمحاولة البحث في سر أزمة البلاد، وعلاقتِها بالموروث البشرى المقدس:
" في البدءِ كان البحرُ قِدّيساً
يفكرُ في حُلولٍ للخروجِِ من المُصيبةِ
(سوفَ تسألُني البلادُ عن المُصيبةِ)
(سوفَ يسألُني الجنودُ عن المُصيبةِ)
لم يجدْ حلاًّ فقالَ لنفسهِ :
- أنا كافرٌ ..!
وورائيَ الشُّعَراءُ
يعتقدونَ في الأُخرَى
ويعتبرونَ مَنفَايَ
انتصاراً للإلهِ وللقصيدةِ "
يقوم النص هُنا على ثنائية القدِّيس الكافر، واجتماعُ الصفتين المتضادتين هنا يرتبط بثنائية زمنية ، تتمثل في زمن البدء وزمن الختام، و تَظهر القداسة في زمن البدء ناصعةً لا تشوبها شائبة، بينما تَظهر فى زمن الختام مأزومةً بسبب انقسام زمن الختام على مكانيْن مختلفين هُما الوطن والمنفى، وانشقاق الجماعة إلى جبهتين متصارعتين، جبهة الجنود وما ترمز إليه تلك الكلمة كالقوة والسُّلطة والهيمنة ، وجبهة الشعراء التى ترمز للجمال والوعي والثقافة والحُلم بواقع مختلف لا قهر فيه ولا تُخلُّف، وهذا الإنقسام يؤدي إلى نظرتين مختلفتين للمقدس، نظرة الجنود التي توظِّف المقدس ليخدم استقرارَها، ونظرة المثقف الذي يسعى إلى تحرير بلاده من خلال تحرير المقدس من الزوائد البشرية التى عَلقت به مِن جرَّاء توظيفه لخدمة مصالحَ معينة، ومن هُنا تصبح كل حركة باتجاه تحرير المقدس حركةً مضادة للسُّلطة أو السُّلُطات الراسخة، ومن ثم يصبح الفاعل في نظر الجنود كافرا جديرا بالنفي والقتل، و في نظر الشعراء قدِّيسا ينتصر للإله والحياة في الوقت نفسِه.

(7) الفرد والنموذج
إذا كانت القصيدة منذ العنوان تضعنا أمام حالة فردية، كما تشير كلمة "واحد"، إلا أن الفرديةَ في الديوان لا ترتبط بحالة مفردة، بل بنموذج، فهذا الذى يطالعنا بوصفه واحداً يمشي بلا أسطورة، لا نراه في الديوان يقف وحيدا، أو يَطرح عالما خاصا به، فهناك شخصيات أخرى يلتحم بها، ليصنع جماع تلك الشخصيات نموذجا عاما، ومن خلال سلوك تلك الشخصيات في الديوان يمكن وضعُها في إطار نموذج معين هو نموذج " المثقف الثوري الحر" والذي يتحرك في مجالين متداخلين الأول ثقافي ، والآخر سياسي ، ونراه بامتداد القصيدة / الديوان في حالة صراع دائم مع الجماعة التي ينتمي إليها ، وهو صراع مأساوي، يقوم علي هزيمته أو هزائمِه، وعناده في الوقت نفسِه علي مواصلة المعركة التي تبدو خاسرة.
وكلمةُ أسطورة تشير إلي طرف الصراع الآخر وهو الجماعة التي ينتمي إليها بطلُ القصيدة ، فالأسطورة شكل ثقافي يعبِّر عن جماعة ، ويَكشف عن طبيعة نظرتها للعالم، وعندما يتجرد الفرد من هذا الشكل ، يدخل بالضرورة في صراع هائل مع الجماعة التي تقدس الأسطورة ، وتنظر للخارج عن إطارها باعتباره العدوَ الأكبر، لأن الخروج عن النظام الفكري المُستقر يهدد الكيانَ القائم بانقلاب جارف ، تختل فيه الموازين الثابتة ، وتنهار معه أمورٌ وأمور، فيُحرم المستفيد من فائدةٍ يريدها أبدية ، ويتجرد المتميز من ميزات متوارَثة، ويتحول الهامشي أو الأدنى إلى الصدارة ، ويبرز على السطح ما حكم عليه بالسقوط في القاع.
ودلالة كلمة أسطورة في الديوان تحيل إلى نظرة تقليدية للعالم ، نظرة متوارثة وراسخة ، وجامدة ، وتعبِّر عن كسل النشاط العقلاني ، وانتماءِ الجماعة إلي عصر أسطوري بعيد، لا إلى العصر الذي تعيش فيه بتحدياته المختلفة ، وإمكانياته الهائلة التي فَرضتْ بالضرورة نظرةً مختلفة للعالم، فنظرةُ الفلكي القديمةُ النابعة من تطلعه وتحديقه في النجوم مستخدِما عينيه ، أو حتي منظارا بدائيا ، تختلف عن نظرة الفلكي الذي يعتمد على الأقمار الصناعية ، والمراصدِ الهائلة ، وكذلك نظرة الطبيب للمرض التي تعتمد على استخدام خبراته الشخصية مع الأمراض ، تختلف عن نظرة الطبيب الذي يعتمد على ألوان وأشكال من الأشعة والتحاليل،وكل تلك المتغيرات تحتاج إلى نشاط عقلاني هائل ، يقوم على حوار متواصل مع المستجدات ، ومرونةٍ دائمة تَسمح بنبذ العناصر المُعطلة ، أو التي اكتشفَ الوعي النقدي بُطلانَها .
مِن هنا يصبح السير بلا أسطورةٍ في الديوان تجسيدا للخروج من حالة ثقافية قوامها الجمود والتحجر ، يلعب فيه التقليدُ دورَ البطولة . إلي حالة ثقافية قوامها المراجعة والتساؤل ، ويلعب فيها الوعي النقدي دورَ البطولة.
لقد جَسَّدَ النصُّ نموذجا معينا ينبع من واقعنا المتأزم ، هو نموذج المثقف الحر باعتباره منقِذا ومخلِّصا ، وقد وَجَد الشاعر في شخصيةِ يوسفَ عليه السلام تحققا تاريخيا لهذا النموذج ، ومن هنا كانت تلك الشخصية رمزا محوريا في القصيدة ، لا يَكُف عن التحليق في أجوائها بجناحيْه المعرفي والجمالي ، فهو من ناحية رمز للكشف والتعبير والنشاط العقلاني ، ومن ناحية أخرى رمز للجمال والمشاعر الإنسانية النبيلة والخلاقة . وكما كان هذا النموذج التاريخي منقِذا من الهلاك المحقق في مصرَ القديمة ، يبدو بطلُ القصيدة منقِذا من الهلاك المحقق في مصرَ الحالية.
إن بطلَ القصيدةِ يحمل هويةً شعرية واضحة ، فهو شاعر بالدرجة الأولى ، وقد يبدو هذا الأمر مثيرا للتساؤل، فالهوية الشعرية تقوم على الانفعال ، والخيال ، والرمز ، واللغةِ المجنحة ، وغيرها من الأمور التي تبدو بعيدةً عن النشاط العقلاني ، بل ومناقِضةً له . فكيف يكون المرءُ شاعرا وعقلانيا في الوقت نفسِه؟
هذا التساؤل في تقديري ينبع من وعي قاصرٍ بالشعر ، فالشاعرُ وإنْ كان مخلوقا جماليا بالدرجة الأولى ، إلا إنه وبالدرجة نفسِها مخلوقٌ معرفي ، ولا توجد قصيدة ـ خاصة لو كانت مطوَّلة ـ بدون نشاط عقلاني كبير ، يلعب دورا أساسيا في بناء النص وما يتطلبه من تنظيم وترتيب وحرصٍ علي إيقاع معين وهكذا ، ومهما كان النص الشعري موغِلا في الخيال فهو يحتوي على قدْر كبير من العقلانية التي تشد الخيالَ إلي الواقع وإنْ بشكلٍ خفي ، فالخيال هنا ليس حُرا تماما كما قد نتوهم ، إنه خيال محسوبٌ بعناية ودقة بالغة ، ومن هنا فالقصيدة الجيدة تُثري نشاطَنا العقلاني أكثرَ بكثير مما نتخيل ، وهي تُثريه بشكل فريد وسحري ، ومن ثم فلا تعارض بين العقلاني والشاعر ، ولا وجود لإنسان يَعرف العقلَ ولا يعرف المشاعر وإلا فهو آلة صمَّاء ، ولا وجود لإنسان يَعرف المشاعرَ والخيالات ولا يعرف العقل ، وإلا فهو مجنون ، وقيمةُ الإنسانِ الحقيقة تقوم على تكاملِ العقل والوجدان .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أشرف البولاقى ـ واحد يمشي بلا أسطورة ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ سلسلة إشراقات أدبية 2008


التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.