الرئيسية » » نجيب محفوظ: "الشرّ عربيد ذو صخب"! (*) من محاضرة (نوبل) | ترجمة محمد عيد إبراهيم

نجيب محفوظ: "الشرّ عربيد ذو صخب"! (*) من محاضرة (نوبل) | ترجمة محمد عيد إبراهيم

Written By Hesham Alsabahi on الأحد، 31 أغسطس 2014 | 2:49 م

نجيب محفوظ: "الشرّ عربيد ذو صخب"! 
(*) من محاضرة (نوبل)

"أنا ابن حضارتين تزوّجتا في عصر من عصور التاريخ زواجاً موفّقاً، أولاهما عمرها سبعة آلاف سنة، وهي الحضارة الفرعونية، وثانيتهما عمرها ألف وأربعمائة سنة، وهي الحضارة الإسلامية. 
عن الحضارة الفرعونية لن أتحدّث عن الغزوات وبناء الإمبراطوريات، ولن أتحدّث عن اهتدائها لأول مرة إلى الله سبحانه وتعالى، وكشفها عن فجر الضمير البشريّ، بل لن أتحدّث عن إنجازاتها في الفنّ والأدب، دعوني أقدّمها بما يشبه القصة، طالما أن الظروف الخاصة بي قضت بأن أكون قصّاصاً. 
تقول أوراق البرديّ إن أحد الفراعنة قد نما إليه أن علاقة آثمة نشأت بين بعض نساء الحريم وبعض رجال الحاشية، وكان المتوقّع أن يُجهِز على الجميع، فلا يشذّ في تصرّفه عن مناخ زمانه، لكنه دعا إلى حضرته نخبة من رجال القانون، وطالبهم بالتحقيق، وقال لهم إنه يريد الحقيقة ليحكم بالعدل. 
ذلك السلوك في رأيي أعظم من بناء إمبراطورية، وقد زالت الإمبراطورية لكن الحقيقة والعدل سيبقيان ما دام في البشرية عقل يتطلّع أو ضمير ينبض. 
وعن الحضارة الإسلامية فلن أحدّثكم عن دعوتها إلى إقامة وحدة بشرية في رحاب الخالق ولا عن عظمة رسولها ولا عن فتوحاتها ما بين مشارف الهند والصين وحدود فرنسا، لكني سأقدّمها في موقف دراميّ مؤثّر.
ففي إحدى معاركها الظافرة مع الدولة البيزنطية ردّت الأسرى في مقابل عدد من كتب الفلسفة والطب والرياضة من التراث الإغريقيّ، وهي شهادة قيّمة للروح الإنسانيّ في طموحه للعلم والمعرفة، برغم أن الطالب يعتنق ديناً سماوياً والمطلوب ثمرة حضارة وثنية. 
قُدّر لي أن أولد في حضن هاتين الحضارتين، ثم ارتويت من رحيق ثقافتكم الثرية، فالشكر أقدّمه باسمي وباسم البناة العظام الراحلين من مؤسّسي الحضارتين... 
كيف وجد الرجل القادم من العالم الثالث فراغ البال ليكتب قصصاً؟ 
لكن من حسن الحظّ أن الفنّ كريم عطوف، وكما أنه يعايش السعداء فإنه لا يتخلّى عن التعساء، ويهب كلّ فريق وسيلة مناسبة للتعبير عما يجيش به صدره... 
ورغم كلّ ما يحري حولنا فإنني ملتزم بالتفاؤل حتى النهاية، لا أقول مع الفيلسوف (كانت) إن الخير سينتصر في العالم الآخر، فإنه يُحرز نصراً كلّ يوم، بل لعلّ الشرّ أضعف مما نتصوّر بكثير. فلولا النصر الغالب للخير ما استطاعت البشرية أن تنمو وتتكاثر وتكوّن الأمم وتكتشف وتخترع وتغزو الفضاء وتعلن حقوق الإنسان؛ غاية ما في الأمر أن الشرّ عربيد ذو صخب، وأن الإنسان يتذكّر ما يؤلمه أكثر مما يسرّه. 
أكرّر الشكر وأسألكم العفو".

نجيب محفوظ: "الشرّ عربيد ذو صخب"! 
(*) من محاضرة (نوبل)

"أنا ابن حضارتين تزوّجتا في عصر من عصور التاريخ زواجاً موفّقاً، أولاهما عمرها سبعة آلاف سنة، وهي الحضارة الفرعونية، وثانيتهما عمرها ألف وأربعمائة سنة، وهي الحضارة الإسلامية. 
عن الحضارة الفرعونية لن أتحدّث عن الغزوات وبناء الإمبراطوريات، ولن أتحدّث عن اهتدائها لأول مرة إلى الله سبحانه وتعالى، وكشفها عن فجر الضمير البشريّ، بل لن أتحدّث عن إنجازاتها في الفنّ والأدب، دعوني أقدّمها بما يشبه القصة، طالما أن الظروف الخاصة بي قضت بأن أكون قصّاصاً. 
تقول أوراق البرديّ إن أحد الفراعنة قد نما إليه أن علاقة آثمة نشأت بين بعض نساء الحريم وبعض رجال الحاشية، وكان المتوقّع أن يُجهِز على الجميع، فلا يشذّ في تصرّفه عن مناخ زمانه، لكنه دعا إلى حضرته نخبة من رجال القانون، وطالبهم بالتحقيق، وقال لهم إنه يريد الحقيقة ليحكم بالعدل. 
ذلك السلوك في رأيي أعظم من بناء إمبراطورية، وقد زالت الإمبراطورية لكن الحقيقة والعدل سيبقيان ما دام في البشرية عقل يتطلّع أو ضمير ينبض. 
وعن الحضارة الإسلامية فلن أحدّثكم عن دعوتها إلى إقامة وحدة بشرية في رحاب الخالق ولا عن عظمة رسولها ولا عن فتوحاتها ما بين مشارف الهند والصين وحدود فرنسا، لكني سأقدّمها في موقف دراميّ مؤثّر.
ففي إحدى معاركها الظافرة مع الدولة البيزنطية ردّت الأسرى في مقابل عدد من كتب الفلسفة والطب والرياضة من التراث الإغريقيّ، وهي شهادة قيّمة للروح الإنسانيّ في طموحه للعلم والمعرفة، برغم أن الطالب يعتنق ديناً سماوياً والمطلوب ثمرة حضارة وثنية. 
قُدّر لي أن أولد في حضن هاتين الحضارتين، ثم ارتويت من رحيق ثقافتكم الثرية، فالشكر أقدّمه باسمي وباسم البناة العظام الراحلين من مؤسّسي الحضارتين... 
كيف وجد الرجل القادم من العالم الثالث فراغ البال ليكتب قصصاً؟ 
لكن من حسن الحظّ أن الفنّ كريم عطوف، وكما أنه يعايش السعداء فإنه لا يتخلّى عن التعساء، ويهب كلّ فريق وسيلة مناسبة للتعبير عما يجيش به صدره... 
ورغم كلّ ما يحري حولنا فإنني ملتزم بالتفاؤل حتى النهاية، لا أقول مع الفيلسوف (كانت) إن الخير سينتصر في العالم الآخر، فإنه يُحرز نصراً كلّ يوم، بل لعلّ الشرّ أضعف مما نتصوّر بكثير. فلولا النصر الغالب للخير ما استطاعت البشرية أن تنمو وتتكاثر وتكوّن الأمم وتكتشف وتخترع وتغزو الفضاء وتعلن حقوق الإنسان؛ غاية ما في الأمر أن الشرّ عربيد ذو صخب، وأن الإنسان يتذكّر ما يؤلمه أكثر مما يسرّه. 
أكرّر الشكر وأسألكم العفو".

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.