الرئيسية » » قراءة عن ديوان بهية طلب ( قبل هروب أنجلينا جولى ) فى مجلة الشعر صيف 2014 | أسامة الحداد

قراءة عن ديوان بهية طلب ( قبل هروب أنجلينا جولى ) فى مجلة الشعر صيف 2014 | أسامة الحداد

Written By Hesham Alsabahi on الخميس، 4 سبتمبر، 2014 | 5:43 م



قراءة عن ديوان بهية طلب ( قبل هروب أنجلينا جولى ) فى مجلة الشعر صيف 2014
زهرة أوركيد ترتجف على الحافة 
يا غدنا
كيف لم نعطك فرصة 
لتأتينا دون بكاء!
فى ديوانها الأخير " قبل هروب أنجلينا جولى " ترصد بهية طلب تجربة ثرية تتورط داخلها، و تقدم نصا خاصا، يحفل بالصراع الأبدى بين الحياة و الموت ، بخبرة حياتية و معرفية و تدفق شعرى تعيد اكتشاف نفسها، و تاريخها الشخصى، و تقدم اعترافاتها البسيطة جدا فى لغة شفاهية شديدة الحميمية، كانت لقسوة التجربة الإنسانية التى مرت بها دوره ليس داخل النص فحسب بل لدى القارئ، و هذه أزمة فى تناول هذا الديوان، فالنص ينفصل عن كاتبه من حيث هو متصل به ،و من هنا تثور إشكالية حول قراءة النص التى بالتأكيد لا تقف أمام المعنى ، إذ أن المعانى التى يمكن إدراكها فى النص يمكن تقسيمها إلى ثلاث مستويات معجمى و وظيفى و دلالى ، بما يعنى تعدد مستويات القراءة ، و اعتماد المتلقى للنص الأدبى على الذوق و هو ما قاله ابن عربى : 
علوم الذوق ليس لها طريق 
تعيُنه الأدلة و العقول 
ففهم النص و مطالعته تمثل إشكالية، إذ هو يعلم ( القارئ ) قدر المعاناة التى عاشتها فوق الآسرة، خلف الستائر البيضاء و بين أيدى الأطباء، واستطاعت أن تتجاوز مرارة التجربة لتقدم نصا مدهشا، و تلقائيا بداية من العنوان الذى يشى بالكثير " قبل هروب أنجلينا جولى " إنها تحاول القبض على الجميلة، و التشبث بالحلم فأنجلينا جولى كرمز للأنوثة و الجمال، و إمكانية الإنسان على مواجهة، بل و التغلب على مرض يبدو أسطوريا فى توحشه كأنه خرج من كهوف بعيدة ، أو انبثق فى الشارع ليلتهم من يجده، و تجربة ذلك المرض مع الأخرين - مهما كانت درجة القرابة و المحبة ، تختلف عن تجربة الشخص ذاته، إن أنجلينا تبدو كقناع شفاف سرعان ما ندرك ماوراءه إنها المرآة بدلالاتها المتعددة من خصوبة وحياة و أمومة و بالطبع لن أتوقف أمام ما يعرف بالأدب النسوى فأمام النص تسقط كل المقولات المعدة سلفا، و التنظريات سابقة التحضير، فلدى اليقين أن النص دائما فى المقدمة تطارده كلمات ماضوية عن الكتابة و آلياتها، و جاء الديوان فى ثمانية نصوص اعتمدت خلالها على المقاطع بما منح النص ديناميكية و قدرة على المرواغة و اتساعا غير محدود ، و بلغة شفاهية غالبا هشة ، و شديد الحميمية فالنص يحفل فى أساسه بما هو إنسانى، و الصراع بين الحياة و الموت بحثا عن الخلود الذى كان هدف الأبوين حين أكلا من الشجرة، ليسكن البشر الكوكب الأزرق، و يعيش على حلمه الأبدى بالانتصار على الموت، و بالرغم من هذه الحالة الكونية التى تعنى فى أساسها بالأسئلة الأولى، أسئلة الدهشة، التى تدور حول الماهية و الوجود، التى صنعت الأساطير لتفسير ما غمض من ظواهر طبيعية و مناخية، و كانت بداية علم الفلسفة ، و بالطبع فقراءة النص ليس هدفها تحصيل المعنى كما يقول دريدا و من سار فى طريقه من التفكيكيين، و فى الوقت ذاته فالنص الشعرى هو حالة معرفية إذ هو خطاب محمول على قيم و تشكيلات جمالية تظل هى الأساس، و هى ما تثير دهشتنا، و ارتبط الشعر عند العرب بالسحر، و عالم الجان " وادى عبقر" ، و مكانة الشعراء عند الأمم القديمة ، و إلى الأن ليست بحاجة لسردها برغم تطور دور الشاعر داخل المجتمع ، من خلال تحوله من الأنموذجين الكلاسيكى، و الرومانتيكى إلى رحابة الإنسانية فقصيدة النثر تقدم أنموذجا أخر للإنسان ، فالشاعر يتجسد ككائن هامشى ، عابر ، متسكع ، و مقموع ملئ بالإشكاليات و المتناقضات يجلم بجمع الكون ، و التاريخ فى اللحظة التى يعيشها فشعرية قصيدة النثر فى جموح و توقد المخيلة المتمردة من أجل تشكيل مدركات الواقع فى علاقات جديدة ، و هى لا تعنى بمحاكاة العالم بقدر الاشتباك معه، و يقودها البوح و ليس التطهير الآنى ، و نجد أن ما قدمته الشاعرة فى ديوانها الأخير يمثل تلك الحالة بمستويات متعددة، و منحها الحس الرومانسى طزاجة، و انفتاحا على عوالم عديدة، نلمح هذا الحس الرومانسي فى قصيدة " قبل هروب أنجلينا جولى " تقول : 
( كنت أحلم أن أكون راكبة أمواج
مالكم 
هل تدركون معنى أن أحتضن موجة 
راهنت أن تقتلنى ) ص 68
أو فى القصيدة الافتتاحية " أبيض ... أسود ... كأصابع البيانو " تقول :
( لعلك لا تحلم بى 
لعلى أحلم بك 
للحب أمارات يدركها الليل وحده )
و كذا فى قصيدة " الصباحات لك " حيث نطالع فى المقطع الأول مثلا : 
( كلما رأيت شطط الموج 
أرتجف 
أنا ابنة النهر 
أخاف اتساع البحار )
و هذا الحس الرومانسي الذى يسرى بتلقائية داخل قصائد الديوان ، و هى ظاهرة نجدها لدى العديد من شعراء قصيدة النثر ، و هى ليست تلك الرومانسية الضبابية التى تهفو إلى المجهول، و الغامض بقدر ما هى رومانسية واعية، تواجه بها القصيدة وحشية العالم ، و صراعاته ، و بجانب ذلك فهى تنحو إلى الصوفية ، و علاقة التصوف بالشعر من حيث الرمز ، و التحررلسنا بحاجة لإعادة سردها بعد أن كتب عنها الكثير فالنص الذى بين يدينا نطالعه الآن، و بحث ظواهره، و آلياته هو ما يعنينا دون الحاجة إلى استعراض نظريات، و مقولات سابقة ، و يتمثل التوجه الصوفى فى داخل قصائد الديوان فى فكرتى التماهى مع المحبوب، و التوحد معه، و تحرر الأشياء جميعها لتصبح وحدة متكاملة لا تخص سواه، و جميعها تماثله فمثلا : 
( حين أُعدد أشيائى التى أحبها أمامه 
يطلب أن أضيفه إليها 
كم أنت برئ يا حبيبي 
ألم تلاحظ أنها جميعا 
تشبه صوت أنفاسك !) ص 11
أو :
( يقينا 
أدرك أن لا حيلة ف الموت 
لكننى أريد ملمس يديك على عينى 
حين أغلقها ) ص 75 
و كذا : 
( أنت تملك خسائرى كلها 
خصلات شعرى 
صورى 
رسائلى الودودة و القاحلة 
و المدن 
ويحى 
ما بها المدن ؟ 
أنت من يريد موتى 
ليس هواء ما تركته ف ابتعادك ! )
و كأنها استعيد ما شدا به أبو منصور الحلاج فى أبياته الشهيرة : 
أنا من أهوى و من أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا 
فإذ أبصرته أبصرتنى 
و إذا أبصرتنى أبصرتنا 
أو ما قاله أيضا : 
لى حبيب حبه وسط الحشا
إن شاء شئت و إن شئت يشا 
أو مواقف و مخاطبات مولانا النفرى و لعل فى المقاطع القصيرة سريعة الإيقاع التى قدمتها فى غالبية قصائد الديوان ما يؤكد هذه الرؤية الصوفية للعالم حيث يتسع المعنى و تضيق العبارة، و عبر نصوص الديوان تؤكد على تلك الرؤية الحداثية من خلال التناص الذى منح القصائد طاقات غير محدودة عبر التفاعل و الاشتباك مع نصوص سابقة ، فالنص لا يولد من فراغ كما تقول كريستيفا أنه يمتص بأشكال متعددة فسيفساء من نصوص سابقة تترسب بطرق متنوعة فى وعى النص الجديد فهى ( التناصية ) عملية إنتاجية ذات فاعلية ، و نجد أن الشاعرة قد قدمت التناص بأشكال و مستويات مختلفة من تناص مع المقدس، بما يكشف عن هوية ثقافية، نجده مثلا فى قصيدة "بنات محمد " حيث نقرأ :
( نحن بنات محمد 
و كان يعير بخلفة البنات )ص80
و هو ما يحيلنا إلى موقف بعض سادة قريش مع النبى ، و موت القاسم الذى كان يكنى به وكانت من أسباب تنزيل " سورة الكوثر " يقول عز وجل ( فصلى لربك و أنحر إن شانئك هو الأبتر ) إن إعادة إنتاج القص المقدس و التمثل به مع التأكيد على هوية النص منح دلالات عديدة ل" محمد " الأب، و أسبغ قداسة غير محدودة من خلال ألمه الشخصى، و أزمته داخل مجتمع ذكورى، لتصنع أسطورتها الخاصة فى قصيدة بنات محمد من خلال التناص و إعادة اكتشاف العالم بالتفاعل مع نصوص سابقة تملك القداسة التى تمنح للأب " محمد " فوقيته و تميزه، و للثمانى أميرات مكانة تحلم بها كأنهن خرجن من كتب الأساطير، و سندريلا تتألق فى الهواء و تصادق الليل و الساحرة ...
و فى القصيدة ذاتها تناص أخر يتلو ما ذكرناه سلفا مع قصة النبى يعقوب ، و قدوم الأسباط إلى مصرحيث يطلب من بنيه ألا يدخلوا من باب واحد فى " سورة يوسف " فيقول عز وجل ( يا بنى لا تدخلوا من باب واحد و أدخلوا من أبواب متفرقة و ما أغنى عنكم من الله شيئا ) فموقف الأم فى القصيدة يتماثل مع موقف النبى يعقوب مع طبيعة الاختلاف بين السفر و واجبى الفرح و العزاء فضلا عما يكشفه النص من طبيعة الريف فى مصر و خوف الأم على بناتها من الحسد و عيون النسوة فالبنات الثمانية عليهن وفق وصية الأم ألا يدخلن معا بل يلجن المكان فرادى حتى لا يلفتن الانتباه إليهن، و كانت لقصة بلقيس ملكة سبأ مكانها فى النص فى قصيدة
" الصباحات لك " حيث تقول :
( ذَكرها 
حين كانت فى أحضانك 
و أبانت ساقيها لتعبر البحر ) ص 88
حيث يسطع النص القرآنى واضحا ، و تتمثل أمامنا بلقيس أمام الصرح فى حضرة النبى سليمان و قد حسبته لجة و كشفت عن ساقيها ...
و نجد التناص أيضا مع الحكايات الشعبية، و قصص الأطفال حيث نجد قصة الملك و اختباره للفتاة للتيقن من كونها أميرة بوضع حبة بازلاء تحت فراش وثير فنقرأ فى قصيدة " قبل هروب أنجلينا جولى ":
( ها أنا بعد أربعين عاما و ليس لاختيار عرس لأميرة 
تؤلم الوسائد وجهى 
وأظل ليلى أبحث فى شراشفى عن حبة البازلاء
آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه يا له من ألم )
أن التناص هنا أيكشف عن التناقض بين ألم الأميرة من حبة البازلاء، و الألم الذى رافق الشاعرة فى رحلة مرضها، بما تؤكد معه أنه ليس استنساخا، أو إعادة إنتاج نصوص سابقة بقدر ما يعنى التفاعل، و الاشتباك مع الأخر، و تجلى ذلك أيضا فى التواصل مع تجربة حميمية ، و شديدة الخصوصية فى الإشارة إلى أمل دنقل و أوراق الغرفة 8 ، و إعلانها الواضح بالخروج عن مفهوم الشاعر المحفز إلى رحاب الإنسانية، فغرفتها داخل المستشفى تحمل رفم 203 و هو ليس رقما شعريا بالمرة كما تقول، و هنا يبدو موقف الشاعرة من النصوص السابقة ، و اختلافها بل و صراعها معها ليس وفق العبارات الإنشائية الخاوية غالبا كالقطيعة مع التراث، و قتل الأب فهى تحتفظ تحت وسادتها بديوان أمل دنقل تتمسك به فى لحظة فارقة تتأرجح خلالها على حافة العالم، و فى الوقت ذاته تشتبك معه و تتمرد عليه ، و تعلن أن مفهوم الشعر لديها يختلف بداية من رقم الغرفة إلى انتظار أصدقائها لقصيدة يتصورون أنها تكتبها أو كتبتها بالفعل .
و بالطبع كانت للشفاهية دورها فى تقديم سرد شديد الحميمية، تقدم من خلاله بوحها بالألم، وتاريخها الشخصى، و هشاشتها و ضعفها أمام حضارة تستنزف الجميع، و ترصد تجربة شديد الخصوصية، تقدم من خلاله خطابها الشعرى و كانت قصيدة " قبل هروب أنجلينا جولى" التى حمل الديوان اسمها تحفل بأوج التجربة بداية من المونولوج الذى تتواصل فيه مع الغائب، مع شريكتها فى المرض بتدفق وتلقائية ، و نجحت فى تقديم تجربتها ببساطة و البساطة هى قمة الفن ، و أصعب ما يمكن تقديمه هو النص البسيط و العميق و المتعدد فى آن واحد و هو ما انبثق أمامنا، و تمثل فى هذا النص الاستثنائى فنطالع : 
" أنجلينا 
لابد أنك كنت فزعة تماما 
فالمشارط لا تصادق الجميلات 
و السرطان طفل نائم 
حين يصحو 
يبدو الموت معجزة نرجو أن تلحق بنا 
أنت استطعت الهروب وحدك 
و أنا اشتعلت بالألم" ص 57
أو فى القصيدة ذاتها :
" وجهى أبيض 
و شعرى سرقته ساحرة أثناء نومى 
و تركت صكا بأيام أخلو فيها لموتى "
و :
"لكن حين غرست الممرضة الأبرة عميقا فى جلدى 
وجدتها فرصة مناسبة للصراخ و البكاء باعلى صوت
و إخراج غضبي من الحياة و الموت و المرض"
و كان لتاريخها الشخصى، و طفولتها التى تشكل بداية الوعى بالعالم و بالأخر و الصراع معهما فهى تتذكر أمها و تحكى عن سقوطها المتكرر بساقها الضعيفة و كوب اللبن و البرتقالة وألعاب ابنتها و قلم الروج تلك الأشياء التى تبدو صغيرة و عادية و لكنها جزء من حياة الشخص كفنجان القهوة و السجائر تلك التفاصيل التى تعيد اكتشافها و توظيفها داخل النص كمتمردة ضد العالم تكتشف الخواء الذى يحيط بها بل و يسكنها .
و بالتأكيد فإننا أمام تجربة خاصة و أطروحة شعرية ثرية تصنع الدهشة و تمنحنا الألم و اللايقين بالعالم ( فالجدار الذى تخرج منه مساء فى حجرتى النائمة / سكنته عصافير كاذبة ) فنحن بصدد زهرة أوركيد ترتجف و جميلة ستهرب بعد قليل و ثمانى أميرات كأنهن يخرجن من كتاب ألف ليلة و ليلة أو حواديت الجدات فى الليل، و سيدة طيبة تسحب الدم، و طبيب أسنان يقدم نصائحه، و يعمل بنمطيته المعتادة ، هى ترى أنها امرآة مشعة بالكوبالت و فى الوقت ذاته محبة تتماهى فى العشق، و تتوحد مع حبيبها ( لا مشقة فى الابتعاد / إلا أن وجهى / مازالت به ملامحك ) تدرك قيمة الأشياء البسيطة و الحميمية حتى فى التناص و المعرفى فى استخدامها للمفارقة، و للصور الكلية للتمثيل و التجسيد تدرك بخبرة حياتية و معرفية كيف تشكل عالمها الخاص و تقدم نصها المؤلم و المدهش وتواصل صراعها مع المرض و التاريخ و اللحظة المعاشة .


التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.