الرئيسية » , » قراءة في "عكازة التيه" لفؤاد عبيدو كيف لتجربة أولى أن تكون بهذا التيه؟!

قراءة في "عكازة التيه" لفؤاد عبيدو كيف لتجربة أولى أن تكون بهذا التيه؟!

Written By Hesham Alsabahi on الجمعة، 19 سبتمبر، 2014 | 4:10 م

قراءة في "عكازة التيه" لفؤاد عبيدو
كيف لتجربة أولى أن تكون بهذا التيه؟!
ندوة الخليل الثقافية، السبت 13-9-2014
فراس حج محمد
تستكنّ في نفوس البشر أمنيات كثيرات، تموت وتحيا، تتخلّق وتسير على قدمين من حلم وشعر، تضيع وتتناثر بين الورد، تفتش النفس الشاعرة عن بعض تعزية، فتلجأ للقصيدة المواربة المجنحة، يعلو بها الصهيل حينا، ويستبدّ بها الحنين أحيانا، وأحيانا تضيع فتشعر أنها فيما يشبه الوهم والتيه!!
هذا ما شعرت به وأنا أقرأ "عكازة التيه" للفتى اليافع شوقا الشاعر ألما وضياعا "فؤاد عبيدو"، كتاب تتوزعه محطات من القول، وتجعل القارئ يقف مطولا لكي يمسك بطرف الخيط الذي يجعله يكتب عن هذا الكتاب:
كيف لتجربة أولى أن تكون بهذا التيه؟
يسيطر على الديوان إحساس بالمرارة والقهر والهزيمة، جراء ما أحب أن أطلق عليه "حادث عاطفي عارض" سينتهي أمره وتتلاشى جروحه وعوارضه، فالشاعر ما زال هناك عند أول محطة تتفتح فيه زهرة، لتدغدغ أحلام قلبه وتنعش دماء روحه، ربما كان مبالغا في وصف هذا الحدث العاطفي، ولكنك تشعر بالصدق في الكلمات والصور، وأنه لم يكن ليعتمل القصيدة، بل كان يتركها تتسلل منه على مهل، تنسل من بين يديه لتنداح على الورق، ليست باكية بل شاكية صارخة نازفة!
إن الشعراء يعانون دائما من أمراض لغوية ومجازية كثيرة، فهم مرضى بالمجاز وفيروسات التخيل التي تتحول إلى أفراس مطهمة تخطر بعنفوان أمام الشاعرـ فيرى ما لا يراه الآخرون، لعله يرى الصغير كبيرا، والفأر جملا، والنملة فيلا، إنهم لا يعترفون بالواقع، إنهم مرضى بالوقت مرضى بالمكان، تأكلهم بكتيريا التحلل في الحنين والفانتازيا معا!!
هذه النفس الشاعرة هي التي سكنت كل شاعر قديما وحديثا، وسكنت روح فؤاد أتدرون لماذا؟ إنه جريء في دفع ديوان التجربة الأولى للنقاد، على ندرتهم وقلة اهتمامهم بالأصوات الجديدة، وجريء في مواجهة اللغة والصورة والحبّ والأرض والقصيدة، اقتحم العوالم وهو شاب يافع، كثيرون مثله يقفون متهيبن ممتقعين بجبنهم أما هو فكان أجرأ ما يكون، وهذه محمدة في الشاعر، كما أنها مظنة في الانزلاق والغرور وعدم الانتباه لشواخص الطريق غير المعبدة دائما!
وهو كذلك جريء في بعض النصوص التي قد تنذر بانزلاقاته النفسية الماكرة، فيا صاحبي، الحب إما أن يسعد قلبين أو يدمرهما، لا حلّ وسطا مع الحب، أما إذا تنسمت بعض شقائقه ومرت عابرة كالريح فإنها ليست عواصف الحب بالتأكيد، المحب بكاء ومتضرع وخاشع ومجنون، فلا تنكر على نفسك ذلها في حبها، لأنك إن وجدت عاشقا متكبرا مع محبوبته فاعلم أنه مسافر عما قليل سيخرج من جنة هو لا يستحقها! فلا تكن مثل المتنبي... كبرياؤه حرمه المرأة والحب ولم يتذوق طعم الحياة!!
لعلّ تجربة فؤاد بكليتها هي التي يجب أن يحتفى بها بعيدا عن تفاصيل ما في الديوان من تنكبات أو تألقات تشي بولادة شاعر فذّ، إنه يذكرني بالشاعر طرفة ابن العبد الذي لم يتجاوز ستا وعشرين سنة، وكان من شعراء المعلقات عند كل الرواة الذين لم يتجاوزه، وهكذا بدت نفس فؤاد تتعلق بهمة المتنبي الذي جعله قافية لشعره/ ص13، تخيلوا الجرأة، لقد جعل المتنبي قافية في بيت شعر!! قد لا يكون الأمر مستهجنا، ولكن نفس فؤاد هي التي جعلت الشاعر العظيم مجرد قافية!!
يتكئ الشاعر في هذا الديوان الباكورة على مجموعة من الألفاظ التي ترد كثيرا في القصائد القصيرة، إما لفظا أو معنى، فقد وردت كثيرا لفظة التيه معرفة ونكرة ومضافة عدة مرات، وألفاظ الشوق والحنين، ولفظ العكاز ثلاث مرات، عدا ألفاظ عائلة الموت التي تقترن بقرن الضياع والتيه، ويتبين من كل ذلك أن الشاعر يدور في فلك مجموعة من الألفاظ في دوائر خاصة، وعليه أن ينتبه لما سيصدر عنه مستقبلا، عليه أن تكون لغته واسعة المفردات ثرية ومجنحة، إنه ما زال محتاجا للغة لينهل من معينها، وليتخذها متكأ حيا يصنع منه قصائد غنية ومشعة في كل حقل واتجاه، وليحذر من الموسيقى الناضحة، إنها تسرقه أحيانا من الشاعرية، فتخرج الجمل محتاجة لنضوج فكري أو شعري أو كليهما!
كما وأن الشاعر اتكأ على قليل من النصوص، فوظف بعض الآيات القرآنية من سورة مريم، وسورة يوسف، واستعان ببعض الموروث الشعري لشعراء كبار، محاولا أن تكون القصيدة مكتنزة!
لقد امتلأت قصائد فؤاد بالموسيقى والعذوبة والرشاقة، وسلاسة في صياغة الجملة الشعرية، وهو إذ لم يكن متعدد الأساليب، إلا أنه خطا الخطوة الأولى تجاه الشعر والشاعرية، فقد ابتدأ مشواره بالقصيدة الكاملة ذات الشطرين، وهذه هي البداية الطبيعية لأي شاعر حقيقي، فقبل أن تتحرر من كل قيد لتشعر بحلاوة القيد، عليك أن تتحلى بالقيود أولا، إن كانت تقنيات قصيدة الشطرين ذات قيود أصلا، فإن دخلت بعدها للشعر الحر، فأنت تدخله وأنت تتقن التشكيل الموسيقي الكامل والنمط، وإن تجرأت وتخليت عن الوزن إلى تقنيات أكثر صعوبة في "قصيدة النثر"، تكن قد تعبأت بكل الموروث الفني، فحتى تتحرر من الجاذبيات عليك مواصلة الصعود في فلكها، حتى إذا انطلقت، انطلقت سيدا وشاعرا حقيقيا.
ميلاد ديوان فؤاد عبيدو "عكازة التيه" يجب أن يثير فينا الحماس والاستشراف لولادة قامة شعرية قد تصنع الشعر الحقيقي في مستقبل الأيام وقادم السنوات، علينا أن نتابع لنرى فؤادا وغير فؤاد، وعلينا مهمة التعجيل بولادة طبيعية لشاعر عملاق، هذه هي مهمتنا، راجيا أنا على مستوى شخصي أن يكون هذا العملاق الشعري فؤاد عبيدو!  
ولهذا القادم الموعود أقول:
هُــو الـشـعر يـعطيك الـفؤادَ فـؤادُه
ويـهـميَ مــن حــرّ الـتشوق جـادُه
ويـبذل فـي نبض الحروفِ مشاعرا
ويـعـلنُ فـي نـسج الـقصيد نـجادُه
ويسلب منك اللبّ والعقل والهوى
ويـرخي لـلسطور الـحالمات عتادُه
وتـنـقش فــي صــدر الـزمـان تـنبؤا
ويـعـليَ بـالـشعر الـجـميل مــدادُهُ
هــو الـصـوت مـجـبولا بـأنـة مـوجـعٍ
ب"عـكـاز تـيـه" حـلّ فـيه اجـتهادُه
فــأعـلـى بـعـلـو الـقـافـيات بـوزنـهـا
وأغــدق فــي ثـوب الـسناء اتّـقادُه
فـإن كـان قد مات "الأمير" وصحبُه
وأودع قـــامــاتِ الـقـصـيـدِ حــــدادُه
فـقد جـاء مـنّا الـيوم أعـظمُ شـاعرٍ
بـقـافـيـة يــرتــاحُ فــيـهـا ســهــادُه!





التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.