الرئيسية » » بلال فضل | أبو فلاتر!

بلال فضل | أبو فلاتر!

Written By Hesham Alsabahi on الأربعاء، 10 سبتمبر 2014 | 11:59 م

..وأجدادنا عندما قالوا في الأمثال: "يا فرعون مين فرعنك، قال: ما لقتش حد يردني"، لم يكونوا يتصورون أن ما قالوه سينطبق بحذافيره على اليوم الذي سيأتي فيه على أحفادهم رجل اسمه عبد الفتاح السيسي، ليقول لهم على مرأى ومسمع من مثقفيهم إن كلامه "بيطلع على فلاتر: فلتر الصدق، فلتر الأمانة، فلتر الحق"، فلم يقل له أحد "تلت التلات فلاتر كام"، ولم ينبس أحد من طوال اللسان ببنت شفة عن الحق الذي لا يحق لأحد ادعاء امتلاكه، ولم يقلق أحد من خطورة مثل هذه التصورات الهلامية على مصير بلاد متلصمة بالعافية، بلاد لا تحتاج شيئا بقدر حاجتها إلى العقل والمنطق، ولن ينقذها من وحلتها إلا محاسبة مسئوليها أشد الحساب عن كل هفواتهم فضلا عن خطاياهم وجرائمهم.

من حق كل شخص أن يشكر في فلاتره كما يشاء، لكن الشعوب التي ترجو لنفسها التقدم، وتخاف على دولها من السقوط والتصدع، لا ترضى على نفسها أبدا أن يحكمها أشخاص يتصورون أن لديهم فلاتر لا تقبل الطعن والتشكيك والمحاسبة. وإذا كنت تعتقد أننا لسنا مؤهلين لكي نحظى بامتيازات تلك الشعوب بنت المحظوظة، فدعنا على الأقل إن حُرمنا حق التشكيك في وجود فلاتر كهذه يمتلكها بشر غير منزه عن الخطأ، نطلب "حق التنظيف" الذي يجوز على كل فلتر، حتى وإن وجِد في جهاز تكييف أو حنفية مطبخ، فما بالك بفلاتر حاكم يفترض به أن يقيل البلاد من عثرتها، ويجعلها قد الدنيا التي بتنا جميعا نعلم أنها دنيا غرورة وكذابة "تاخدنا يمين شوية وتاخدنا شمال شوية"، كما قالت الفنانة بوسي محذرة كل من يتخيل أن حال الدنيا يدوم.

تلعنني الآن لأني أهزل في مقام الجد، لا بأس، لديك حق، لكن بالله عليك، ما الذي تريدني أن أقوله، وأنا أرى، على سبيل المثال، لا الحصر رئيسا اكتسب سمعته لدى محبيه بوصفه رجل المخابرات المحنك الذي يعرف دبة كل نملة تتآمر على مصر، ومع ذلك يخرج على الشعب في لقاء إعلامي علني مهاجما مواقع إعلامية قال إنها تتآمر على مصر وتستهدف إسقاطه وتدمير الدول العربية. وبدلا من أن يترك كلامه عاما ليوحي بالغموض اللازم للحبكة الدرامية، قرر أن يسمي تلك المواقع. وكانت الطامة أنه ذكر من بينها موقعا اسمه  Culture اتضح لمن تصفحوه أنه متخصص في الفن التشكيلي والموضة، أليس من حقك كمواطن أن تقلق لأن فلاتر رئيسك قامت بتمرير معلومة خاطئة كان يمكن بمجرد تصفح الموقع أن يتم التحقق منها قبل توريط مقام البلاد ورئاستها في سقطة كهذه؟ ألم يجعلك هذا تتساءل عما مررته فلاتر رئيسك من معلومات خاطئة أخرى في مواضيع أشد خطورة وحساسية؟.

غريبة، هل قررت فجأة أن ترفع شعار "ما تدخلنيش في تفاصيل يا مدحت"، مع أنك كنت تؤمن دائما أن الشيطان يكمن في التفاصيل؟ وماله، ابعدنا عن التفاصيل، ودعنا نركز فيما هو أخطر وأهم: ألم تقلق بذمتك وأنت ترى الرجل الذي يستحوذ على سلطات البلاد عن بكرة أبيها، والذي يؤيده ويبايعه ويهلل له أغلب من في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية والمشمومة والمركوبة، وهو يشكو في خطاب علني من عنوان صحفي يقول بسخرية محتشمة إن "الحكومة منورة"؟ فكيف تتوقع أن يتصرف إذن أمام مقدمة نارية من تلك المقدمات التي راحت وولى زمانها، أو أمام استجواب ناري في مجلس الشعب إن بان لها مجلس شعب من أساسه؟.

أسمعك تتحدث عن متطلبات المرحلة الحرجة وضرورة التحلي بالصبر ومنح الفرصة والالتفاف والاصطفاف. غريبة، لم يكن هذا رأيك، لكن معلهش وماله، سبحان من يغير ولا يتغير. دعنا نرفو جورب الوقت ونتحدث عن سفاسف الأمور: هل شاهدت السيسي وقد أفلتت من فلاتره إشارة رابعة؟، بذمتك ألم تضحك ضحكة مجروحة، وأنت تراه يرتبك، وقد تذكر أنه رفع لتوه الإشارة التي تذكره بأكبر مذبحة في التاريخ المصري المعاصر، ليهدي مكتبة الأسى المصرية تسجيلا جديدا فيه رئيس يقول عبارة "الموازنة بتاعتنا أربع أقسام" وهو يشير بأصابعه الخمسة؟ هل فاجأك أن الرجل لا زال يتذكر ما فعله في الصيف الماضي؟ هل تظن أن أشباح القتلى تمر من بين فلاتره كما تمر منها الوعود الجزافية والمعلومات الخاطئة والعبارات المعسولة؟.

غريبة، أراك تطالب بالجدية والبعد عن التفاهة، وأنت الذي كنت تنفق وقتك في الحديث عن خطورة أبلة فاهيتا على الأمن القومي "الميصري"، وتهلل للقبض على طالب حمل مسطرة بها إشارة رابعة، ثم أراك تحدثني الآن عن خطورة المسك على الواحدة، وقد كنت مثلي من الذين لم يتركوا عبارة "هطلاء" قالها سيء الذكر محمد مرسي إلا وسلخته عليها. لا تقلق لن أردد لك تعبير "الكيل بمكيالين"، فقد انشرخت حنجرة الكيل بمكيالين من فرط لعنه لنا كلما جئنا بسيرته طيلة السنة الماضية، لكني لا أظنه يمانع في "واحدة اسكندراني" لو رآك الآن تتحدث عن قلة الأدب والانحطاط، وأنت لا ترى أي انحطاط في قتل الناس على المشاع، وسلب حرياتهم حسب المزاج، وتخريب بيوتهم من باب الإحتياط. 

لا تخف، لن أذكرك بطناشك على إهدار حقك المشروع في محاسبة الشخص الذي فوضته على الناشف، وصدقته دون حلفان، وبصمت له بالعشرة على كل ما لم يطلبه منك أصلا. لن أسألك عن نتائج تفويضك له لكي يقضي على الإرهاب الغادر الذي يواصل حصد أرواح ضباط وجنود الجيش والشرطة، ولا عن مصير المليارات التي وعد أنصاره بأنها ستتدفق على مصر فور نجاحه، ولا عن جهاز تحويل الإيدز إلى كفتة الذي انهمرت دموعه عندما بشروه به، ولا عن مشكلة الطاقة التي قال بعضمة لسانه إنه سيحلها فقط باللمبات الموفرة دون لجوء إلى بناء محطات جديدة، ولا حتى عن آلاف عربات الخضار التي سيحصل عليها شباب الخريجين فور نجاحه. أعرف أنك لن تسأل، لأنك استهنت بتضحيات الذين دفعوا دماءهم وحرياتهم من أجل أن تحصل على حقوقك كاملة في الحرية والعدالة الإجتماعية والكرامة الإنسانية، ولأنك حرمت عقلك من حقه في التفكير وجعلته مرتعا للخوف الذي زرعوه فيك عبر وسائل إعلامهم لتصبح نسخة معاصرة حزينة من جحا الذي حذروه من  "الإسمه إيه" الذي يضرب أطنابه في البلاد ويزحف نحو "إسمها إيه" شخصيا، فقال لهم قولته الشهيرة "مش أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق". 

للتذكير:

حل مشكلة الكهرباء الذي وعد به السيسي واتضح أنه وعد مدهون بزبدة القائد  

 

 


التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.