الرئيسية » » شُفت لك: “أهلًا بكم في نيويورك”.. إعادة تمثيل الفضيحة! | بلال فضل

شُفت لك: “أهلًا بكم في نيويورك”.. إعادة تمثيل الفضيحة! | بلال فضل

Written By Hesham Alsabahi on السبت، 27 سبتمبر 2014 | 1:19 م

لعبة كان يمكن أن تكون مسلية، تلك التي قدمها فيلم (Welcome to New York، أو أهلًا بكم في نيويورك) للمخرج الأمريكي آبل فيريرا وبطولة النجم الفرنسي ـ رغم أنف مصلحة الضرائب ـ جيرارد ديبارديو والنجمة الإنجليزية الرائعة جاكلين بيسيه.

أنت أصلًا تذهب لتشاهد فيلمًا قرأت الكثير من الأخبار عنه منذ بدأت أولى مراحل إنتاجه، وكلها تقول إنّ الفيلم يدور عن الفضيحة الشهيرة التي تورط فيها قبل أعوام مدير صندوق النقد الدولي دومينيك شتراوس كان، حين تم القبض عليه؛ لأنه اعتدى جنسيًّا خلال زيارة لنيويورك على عاملة تنظيف في فندقه.

Welcome_to_New_York_(2014)

حتى إنّ ضجة أثيرت في الصحافة قبل تصوير الفيلم عندما أعلنت النجمة الفرنسية إيزابيل أدجاني عن انسحابها من المشروع لأنّها لم تعجب بالطريقة التي تمّت بها كتابة دور زوجة مدير صندوق النقد الدولي ـ الصحفية الشهيرة آن سنكلير ـ، قائلة إنها كانت تتمنى الحصول على دور العاملة المعتدى عليها. وبرغم كل ذلك؛ فأنت قبل بداية الفيلم ستجد على الشاشة مقدمة تقول: “هذا الفيلم مستلهم من قضية شهدتها المحاكم وتداولتها وسائل الإعلام عبر العالم، لكن مع ذلك فإن شخصيات الفيلم وجميع الأحداث التي تعرض حياتها الخاصة تبقى من وحي الخيال”.

welcome_to_new_york_ver2

ولكي يخفف المخرج وقع هذه العبارة على المشاهد، أو لكي يحاول تبريرها؛ يضع بعدها عبارة تقول: “لأنه لا يستطيع أحد أن يزعم قدرته على تقديم الحقيقة المركبة لحياة أبطال هذه القضية وشهودها، لأن كلًا منهم لديه وجهة نظره الخاصة”، وبرغم ذلك فإن فيريرا إمعانًا في المراوغة والتحدي أيضًا يقدم داخل الفيلم مشهدًا حقيقيًا يتحدث فيه محامي الضحية للصحفيين، حتى إنه قام بنقله من التلفزيون برغم اختلاف إضاءته وتصويره عن بقية مشاهد الفيلم.

كان يمكن كمشاهد أن تتسامح مع هذه العبارة بوصفها حيلة يلجأ صانع الفيلم آبل فيريرا وشريكه في كتابة السيناريو كريست زيوس ـ الذي شاركه في فيلمين سابقين قبل ذلك ـ للهروب من أي تبعات قانونية يمكن أن يلجأ إليها بطل الحادثة الحقيقية دومينيك شتراوس كان الذي استطاع الإفلات من عقوبة السجن بفضل نفوذه وشطارة محاميه الذين نجحوا في إقناع المتهمة بسحب دعواها، واللجوء إلى تسوية مدنية للقضية مقابل مبلغ لم يتمكن أحد من معرفته، ربما لأنك تأمل أن يقدم لك الفيلم تفاصيل جديدة عن القضية أكثر من التي تعرفها من خلال متابعتك الإعلامية لها؛ خاصة أنها ظلت لفترة حديث كل وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم، أو حتى أن يقدّم لك رؤية جديدة تعيد من خلالها فهم ما جرى، لكن ذلك لم يحدث للأسف، فقد اكتفى الفيلم بإعادة تمثيل الفضيحة حرفيًّا، ومن وجهة نظر دومينيك كان وزوجته وابنته، دون أن نراها حتى من وجهة نظر الضحية المعتدى عليها.

welcome-to-new-york

مع ذلك، فقد حاول آبل فيريرا أن يجعل الفيلم متسقًا مع رؤيته الفنية التي تجلت في أعمال سابقة أحب منها كثيرًا فيلم (كينج أوف نيويورك) الذي لعبَ بطولته ممثله المفضل كريستوفر وولكن، وفيلم (باد ليتيوانت) الذي لعب بطولته ممثل مفضل آخر له هو هارفي كيتل، حيث يختار للفيلم عنوان: (أهلًا بكم في نيويورك) كأنه يرغب في جعل تلك الفضيحة التي دارت أحداثها في نيويورك رمزًا لسيطرة رأس المال على هذه المدينة التي لم تكن فقط مسقط رأس المخرج، بل كانت مسرحًا لأنجح أفلامه.

لا تستطيع وأنت تشاهد أن تغفل أن جيرار ديبارديو برغم منصبه الرفيع يبدو أكثر حقارة وقسوة من بطل (كينج أوف نيويورك) تاجر المخدرات الخارج من السجن لكي يبني مملكة ينتصر فيها على أعدائه ويقوم بتجنيد ضعفاء حيه الفقير ليكونوا رجاله، ولا أن بطل فيلم (باد ليتوانت) الشرطي الفاسد الذي يعاني من إدمان المخدرات والقمار يبدو أكثر رغبة في التطهر وتغيير مساره من بطل هذا الفيلم الذي يدمن ممارسة الجنس ولا يبدو راغبًا في التخلص من إدمانه برغم ما يسببه من مشاكل وفضائح لزوجته وابنته.

film-d-Abel-Ferrara-Welcome-to-New-York_pics_390

فيريرا اختارَ أن يقدّم بطل فيلمه باردًا جامدَ الانفعالات حتى في علاقته مع ابنته، بحيث تشعر أنه برغم انغماسه الشره في ملذات الحياة؛ إلا أنه لا يبدو مستمتعًا بها، بقدر ما يبدو مدمنًا مستلب الإرادة نحوها، ولذلك اختار فيريرا أن يسبق مشهد إجبار البطل للخادمة على الجنس بمشهد طويل صاخب له وهو يشارك سريره مع عاهرتين، ومع ذلك فهو في الصباح التالي وما إن يرى فريسة جديدة متاحة حتى يحاول اصطيادها بالقوة، برغم أنها ليست جميلة وليست مثيرة، فهذا ليس مهمًّا، المهم أن يكون قادرًا على امتلاكها، لأنه الأقوى والأكثر نفوذًا والقادر على التحكم في مصائر دول فضلًا عن مصائر بشر عاديين.

welcome_to_new_york1

ولأن فيريرا كعادته في أغلب أفلامه لا يحب الاستغراق في التعبير بالحوار ولا بالموسيقى، فإن ذلك أثّر كثيرًا على روح الفيلم بالنسبة لي، خصوصًا مع الأداء البارد الذي قدمه ديبارديو وجاكلين بيسيه. ووصفه بـ”البارد” هنا ليس ذمًّا بقدر ما هو تأكيد على التزامهما بروح دوريهما كما أراد صانع الفيلم، ومع ذلك فقد كان دور جاكلين بيسيه أكثر تركيبًا بشكل يطرح تساؤلًا حول ذوق إيزابيل أدجاني في قراءة السيناريوهات، وكيف كان يمكن لها أن تفوت مثلًا تتابع المشاهد الذي نرى فيه زوجة البطل وهي تقوم بمعاينة منزل فخم يفترض أن يظل فيه زوجها رهن الإقامة الجبرية خلال استمرار محاكمته.

وعندما تدخل إلى غرفة النوم لتتفقدها، ترقد على السرير وتبكي في صمت لعدة ثواني وهي تتذكر معاناتها مع زوجها، ثم تنزل إلى الدور الأسفل من المنزل لتناقش السمسار في تفاصيل الإيجار بمنتهى الهدوء والثبات، ثم نراها في اليوم التالي وهي تمسك بيد زوجها أمام الصحفيين تضامنًا معه بعد خروجه من المحكمة، ثم تتحول بعد دخولهما المنزل إلى وحش كاسر وهي تواجهه مواجهة عاصفة، خصوصًا عندما ينكر تهمته ولكن هذه المرة أمامها وليس أمام المحكمة، فتطلب منه أن يتوقف ولو لمرة عن الكذب؛ لأنه أيًّا كان ما حدث في الحقيقة فهو لا يريد أن يدرك أنه كارثة؛ لأن كل شيء عملت من أجله ضاع، في إشارة إلى ما كان يقال عن طموح الزوجين السياسي لأن يصبح دومينيك كان رئيسًا لفرنسا، وهو الحلم الذي أطاحت به تلك الفضيحة ولو إلى حين، ثم نراها بعد انتهاء هذه المواجهة تنهار كأنثى عندما يحاول احتضانها وتطلب منه ألا يلمس جلدها، ثم تعود سريعًا لتستعيد دور الشخصية اللا مبالية التي تحدثه عن جمال منزلهما المستأجر وتسأله ما إذا كان معجبًا به أم لا.

4419565_6_c49c_gerard-depardieu-dans-le-film-americain_bfe836cc4ce48bf8777283ca5d47242e (1)

لبضع دقائق في الفيلم، يقدم فيريرا العدالة في نيويورك وقد انتصرت على بطله الذي اختارَ له اسم “ديفرو”، بعد أنْ أجبرته الشرطة على أن يخضع للاعتقال، دون أن تنفعه صيحته في وجوه رجال الشرطة “ألا تعرف من أنا؟”، فنراهُ وهو يتمّ تفتيشه ذاتيًّا بغلظة ويتم إجباره على خلع ملابسه كاملة كأيّ مجرم عادي، وهو مشهد حرص ديبارديو على أن يؤديه بنفس البرود، ليبدو كأنّ البطل غير قابل للتأثر حتى أثناء إنزاله من عليائه بقوة القانون، لتظهر لنا بقية أحداث الفيلم أن انتصار العدالة عليه كان وقتيًّا، فهو يعود ثانية في منزله المؤقت للتحرش بعاملة نظافة ويغويها لتمارس معه الجنس، بل إنّ فيريرا يختار إنهاء الفيلم بمشهد مواجهة هادئة هذه المرة بين البطل وزوجته وهي تقول له إنها أنقذته من السجن بفضل المال والنفوذ، وإن عليه أن لا يحاول إقناعها أبدًا بأنه بريءٌ أو ضحيّةٌ.

وبعد أن تنهي مواجهتها معه، تخرج من المنزل لتتركه جالسًا في المطبخ، لنفاجأ به وهو يبدأ على الفور التغزل بخادمة جديدة، ليس فقط إشارة إلى عدم قابليته للتغيير، ولكن أيضًا إلى بقاء قانون الغابة البشرية الذي يستغل فيه القويّ الضعيف إلى الأبد؛ وهو أمر تعلم أنه ليس سائدًا في نيويورك وحدها، وهو ما يجعلك تتساءل إذا كان من الأفضل أن يكون عنوان الفيلم: (أهلًا بكم في هذه الحياة الدنيا)!

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.