الرئيسية » » الباحث عن حرية الشعر | علاء الديب

الباحث عن حرية الشعر | علاء الديب

Written By Hesham Alsabahi on الخميس، 11 سبتمبر، 2014 | 1:44 م

أحمد شافعي: تعرفت أولا على عدد من دواوين الشعر الأمريكى الحديث التى قام بترجمتها ترجمة دقيقة ولافتة ثم تعرفت به لكى أعرف ديوانه الفريد:

«وقصائد أخري» الصادر فى بيروت منذ سنوات كان التعرف على جوانبه الأخرى ككاتب رواية، ومدونة: «قراءات أحمد شافعي» وهو صحفى نشيط عمل لسنوات مشرفا على القسم الثقافى فى جريدة تصدر فى «مسقط» كل هذا جعلنى أعود إلى الديوان الذى أحسست بعد القراءة الأولي، أنه يحتاج إلى مزيد من القراءة، محاولات أخرى لاستيعاب التجربة والاطلاع على أبعادها ومصادرها فأنت فى الديوان: أمام شعر بلا شك، ولكنه مختلف وجديد وراءه لغة حية، وتجربة قوية.. وأمانة فى التعبير.. يقول فى قصيدة «اثنان فى نزهة»:

«فى صحبة الهواء فقط، وربما ذكرياتي، أصعد سلما معتما وأحس أن بين يدى فانوس تهز شعلته أنفاسى وأننى قلت جملتى وليس على سوى الانتظار وأنه لابد أن يطول وأننى حينما ينحرف السلم سأجد النجوم فى السماء جميعها تتذبذب وجميعها مغسولة جيدا كما لو كانت السماء تتذكر، مثلا، حين رأت نفسها لأول مرة على صفحة النيل بالليل فى الصيف والبدر حاضر كأنه أثر قبلة على خدها هذا لو انحرف السلم هذا لو صح حدسي»!


أحسست أننى أمام رؤية شاعر، يملك الصورة، وصناعته وتصوره الخاص عن الشعر: وأننى أمام تجربة جادة، وقدرة على الإفصاح.


طلبت من الشاعر أن يقول لى كيف يرى المشهد الشعرى المعاصر فى مصر الآن. جاءت منه رسالة قوية بعنوان «الشعر وشجونه» فيها غضب وثورة، وفيها انتفاض لكرامة الشعر التى تهدر فى أقوال المدعين الذين ينتشرون فى الساحة ويملأون الصفحات والأسواق بقشور الكلام العاجز القاصر على المصالح والمناسبات، وحب الظهور، ولفت الأنظار من أول «فنطاس الشعر» حتى أغانى الكاسيت عن «السقف والمحارة»!! وكما يقول: «مثلهم مثل فلاسفة «التوك شو» لا يصمتون ولا يقولون شيئا» وباقى الرسالة: حسرة على حال الشعر الذى كان ملك الفنون العربية، وسيد الوصل والاتصال لمن يعيش فى ظل الروح العربية.


عدت مرات ومرات للديوان، لكى أتوقف عند الملمح الأساسى الذى شعرت أنه يجمع هذه القصائد: البحث عن الحرية! يقرر الشاعر نفسه مدى تأثره بروح الحرية التى تشع من قصائد الشعراء الأمريكيين المعاصرين، الذى ترجم لهم أكثر من ديوان: تشارلز سميك: «فندق القلق». و«العالم لا ينتهي».. وبيلى كولينز ديوان: «رجل القمر». وغيرهم من الشعراء: مختارات من الشعر الأفرو أمريكى فى كتاب: «وجه أمريكا الأسود.. وجه أمريكا الجميل».


شعرت أن الرجل قد امتطى حصان الشعر الجامح بحثا عن آفاق من الحرية أرحب وأجمل من الشعر الحبيس فى الأشكال والأغراض الخانقة التى تحاصر المشهد العربى الراهن يقول:


«أتصور أن أسامة بن لادن كان فى بيروت فى ذلك اليوم، وكان يبكى فى الحانة لأنه يلاحظ أن الألوان تبهت وتقل، وفى حين أخذت سوالف الشباب تتراجع، ترك سوالفه تستشري، وأصبح العالم أقرب إلى الأبيض والأسود. فكان من الطبيعى أن يغرق الناس فى التخيل. أنا شاعر بمقدار قبح العالم».


فى الديوان: 83 قصيدة: يسأل الشاعر نفسه وقارئه، هل هو ديوان أم صالون!؟ هل هم قصائد، أم مقاعد! سخرية تسرى فى عروق الكلام تخفف من جهامة الوقت وهى ليست سخيفة، ولكنها فى اعتقادى ليست نبتا طبيعيا لمناخ الكلام كله، لكنى أعود لكى أقول: إن ممارسة الشاعر لكامل حريته فى الخلق والإبداع أقدس وأهم من اعتراضات كل كتائب النقاد والمتحزلقين!


توقفت التجارب الهامة فى البحث عن حرية الشعر عند ثورة صلاح عبد الصبور والسياب. عند صيحات حجازي، وهمسات نازك، آثار «أدونيس» من الجدل أكثر «مما أثر بشعره. رغم أنه ظل يحلم بقصيدة تزيد العالم اتساعا».


أحمد شافعى من مواليد «طحانوب 1977» وله ديوان قبل هذا وروايتين وتلك المدونة الرائعة التى يلوذ بها كثير من المثقفين.


أعادتنى أعمال شافعى إلى أعمال ودواوين بدر الديب الشاعر والمفكر الكبير الذى نكتشف أهميته ودلالة تجربته الشعرية والفكرية كل يوم فقد كان هو الآخر فى الأساس باحثا فى الشعر عن الحرية والجمال: يقول بدر الديب فى المقدمة التى كتبها بنفسه لكتاب «حرف ال ح» (كتب المقدمة عندما صدر الكتاب سنة 1985: بعد مرور أكثر من أربعين عاما على كتابته)


يقول الأستاذ بدر:


«هذا كلام كتب عام 1984، كتبه شاب فى الثانية والعشرين من عمره، والشاب مصرى عربى إفريقى تحيطه فواجع حضارة القرن دون أن تكون له حماية إلا من إنسانيته المجردة، ومن قدرته الفردية على معاودة تجربة الخلق الكونى ليفهم ويعرف. وقد أحس الشاب أنه يرفض التاريخ المكتوب، والذى يصنع آنذاك. وأدرك أن قوالب التعبير تعميه، وأن طرق المعرفة غير مفضية إلى الحقيقة، وأن طقوس الأديان قد حجبت الدعوة الحقيقية للحياة فى الدين».


لم يتوقف البحث عن حرية الشعر الحقيقى من ذلك الحين، وتمثل فى بعض صور: درويش وسميح ومريد، كما تمثل فى شعر قصائد النثر أحيانا عند: علاء خالد، ومحمد رياض وآخرين لا أعرفهم ولكننى أعرف أنهم قادمون: وأقول مع بدر الديب فى ديوانه الأخير قصائد مرغمة»:


ولكن الشعر يعود فرحا كنجوم السماء/ مضيئا كزهور الحقل، جاريا كموج النهر، عذبا كالنبع الطيب، ويعود الشعر فإذا الدنيا كلها فرح وصلاة ووصال».


يقدم ديوان «وقصائد أخري» للشاعر أحمد شافعى وعدا بعودة الشعر. وليته يفى بالوعد.




التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.