الرئيسية » , » كلمة الشاعر شوقي بزيع في تقديم امسية الشاعر اسكندر حبش

كلمة الشاعر شوقي بزيع في تقديم امسية الشاعر اسكندر حبش

Written By Hesham Alsabahi on الأحد، 7 سبتمبر 2014 | 9:50 م

لماذا يحب شوقي بزيع اسكندر حبش؟
زوايا - الحمرا - 31/10/2013

بورتريه لرجلٍ من حرير 



       أن تقدم شاعرا تحبه كاسكندر حبش يعني ان عليك ان تكافح بضراوة ضد هذا الحب، لا خوفا من إثارة الشبهات حول نوع العلاقة، وهي عذرية بأي حال، ولكن لكي لا يلتبس الأمر عليك، فتسقِط على الشاعر في اسكندر ما تكنّه للانسان فيه من مودة واعجاب، على ان رغبتي في التزام النزاهة النقدية والحياد الموضوعي ازاء اسكندر لن تتجاوز حدود الادعاء والايهام لأنّ من نحتفل به اليوم هو من التطرف والقصووية في سلوكه ونصّه بما لا يتيح لاحد من قرائه وعارفيه ان يقف منه على الحياد، بل يجد نفسه امام خيارين لا ثالث لهما، اما أن يمقته بافراط أو يحبه بافراط كامل، ورغم بعض التفاصيل المتعلقة بمزاجه المتقلب وردود فعله المباغتة فان شخصا كاسكندر لا يؤخذ الا بالجملة بحيث يصحّ فيه شعار الكتائب في الحرب " لبنان للبنانيين، اقبله او ارحل عنه". واذا كنت على المستوى الشخصي من أصحاب الخيار الاول فليس ذلك منّة او تفضّلا على عريسنا لهذه الليلة، لا بل أحب فيه مطابقته النادرة بين فكرته عن الحياة الحقيقية وأحب فيه نزاهة تأصّلت في داخله نشأة وتعهّدا واستقامة مدفوعة الثمن بالكامل ووفاء منقطع النظير حتى للخيانة نفسها! تعود معرفتي باسكندر الى ثلاثين عاما ونيف يوم كنت أتردد على كافتيريا كلية الآداب بغية نصب الكمائن للجميلات من صبايا الكلية مستثمرا عدة للاغواء لا يقع الشعر على رأس اولوياتها بل سيارة المرسيدس الزيتية الجديدة التي لم يفلح لمعانها دائما في تجنيب الشاب الذي كنته مطباتٍ وكدمات عاطفية لم تزل آثارها بادية حتى اليوم. وفي ذلك الزمان المثخن بالحروب والاحلام الكبيرة شكّل اسكندر حبش وشبيب الامين ثنائيا فريدا وشديد التناغم لا على مستوى التمرّد على السائد الشعري من خلال مجلة "مكروب" التي تعهّدت تسميم المياه التفعيلية الراكدة فحسب، بل على المستوى الفيزيائي أيضا حين يمتلك كل منهما بنية جسدية بالغة الضخامة بحيث تصح فيهما العبارة الشهيرة في السير الشعبية " التقى البطلان كأنهما جبلان". واذ تقاسم الصديقان الشاعران الشغف الشهواني بالحياة وافتراعها حتى ثمالة الكؤوس والشهقات والنساء، تقاسما في الوقت ذاته مشقة الانقلاب على السائد الشعري وتحطيم أساطيره الايقاعية واللغوية المؤسّسة ، فكتب شبيب الامين في مجموعته أعتقد أنني سكران " يديّ في مصح تراقب/ تراقب حيوانا ميتا "، وهتف اسكندر حبش في باكورته " بورتريه لرجل من معدن"، " هذا هو كل شيء/ في الهدوء الذي يدوم اكثر من موتنا/ كلام يعبر/ وفي الداخل يأخذون من الضجيج/ أسرة للورثة ". هكذا بدا هذا الثنائي الحميم أشبه بصيغة منقّحة عن " كليلة ودمنة ". ولم يختلفا على شيء بينهما سوى توزيع الادوار بينهما وعلى معرفة من منهما كليلة ومن منهما دمنة، حتى اذا أعيتهما الحيلة أسسا بعد عقدين من الزمن حانة صغيرة سمّياها " جدل بزنطي "، مستأنفين من خلالها جدالا حول موقعيهما، لم تنته فصوله باقفال الحانة المذكورة. ثمة أمر آخر، لا يمكن التطرق الى شخصية اسكندر دون الاشارة اليه هو القلقُ الدائمُ والتبرّمُ بالحياة والشكوى من كل شيء، واذا كان لي ان أختزل هذه الاوصاف بمفردة واحدة هي "النق"، لا بل يبدو النق أو الشكوى بمثابة الاسم الحركي لاسكندر حبش واذا لم يجد من يشكو منه فهو يشكو الخريف كما عنون احدى مجموعاته، وحين زاملته في جريدة السفير مطالع تسعينات القرن الماضي ظلّ يعبر دائما عن سأمه من الصحافة، ومستلزماتها المرهقة، ملمّحا بشكل يوميّ الى ضرورة استقالتنا المشتركة من تلك المهنة القاتلة، على أن ما حدث هو انني قدمت استقالتي وحيدا منها ، فيما ثابر اسكندر على الجمع بين العمل والنق حتى اليوم، وفعل بي ما فعله عمرو بن العاص بأبي موسى الأشعري في واقعة التحكيم. أيها الاصدقاء بدأت مداخلتي هذه بالاعلان الصريح عن حبي لاسكندر حبش وعليّ الان أن أدافع عن هذا الحب وأجد له مسوّغاته الملائمة موضحا لكلّ مشكّك او متضرّر لماذا أحب اسكندر. على المستوى الشعري أحبّ في اسكندر تخففّه من اغواء الترصيع والافتعال والجماليات الزائدة وذهابه الى المعنى متسلّحاً بصدقه ونفاذ حدوسه وزاده المعرفي الوافر الذي يحسن الشاعر استثماره وتخليصه من الاستعراضية والتعسّف والكدح الذهني. والطريف في الامر أن جسد اسكندر يتناسب عكسيا مع شعره حيث الاول ينحو الى الضخامة والثقل فيما يذهب الثاني الى الرشاقة والخفّة والخفوت الذي يقارب الوشوشة، وهو القائل بأنّه " رجل ينام دوما على قرية من الانفاس". وهو القائل أيضا " الأزهار أيضا ذكريات نتركها قبل أن تجفّ المياه". فالشعر عند اسكندر هو ذهاب بالحياة الى صفائها التام، وسعي دؤوب لاستعادة تلك اليوتوبيا الأرضية المثخنة بالخدر والنعاس ومخلوقات العالم الكسلى حيث "في الغيبوبة فقط نبني مدينة"  وحيث " نفوز بنوم أكبر من هواجسنا " على حد الشاعر. أما اذا حدث لك أن استيقظت من ثبات، وفق رأيه، فدع الصبايا يغزلن لك وحشة أخرى/دع القصب يغني لك قصيدة / وماءً لم تجد بداً منه. لكنّ اسكندر الضَجِر المتبرَم " يضيق بالصمت ضيقه بالضجيج، فبعد ان يعلن شبه يائسِ " لم يبق صمت لم نجرّبه " يسارع الى نفض يديه من وداعة العيش وخفوته، خالصا الى القول " لا أمل لي بهذا الصمت ". واحب اسكندر حبش لأنه حقيقي ولأن وجهه وقناعه شيء واحد ولانه يقيم أبداّ على الشفير بين الملاك والشيطان، وبين الطفل والذئب. وبين اللذة والالم. فيه شهوانية زوربا واندفاعة همنغواي، وفيه ضراوة الدم و عفّته في آن واحد. كأنه العاصفة والهدوء الذي يسبقها أو يليها. كأنه توقُ الحسيّ للالتحاق بالمطلق، كما يبدو واضحا من علاقته بالمرأة، وفي قصائد الحب التي يشي بعدها الشهواني بعذرية مستترة او نزوع صوفي حيث تقرأ له :" يتكوّر جسدك في مكان لا يكتمل/ إغماضتك تجعل الليل مستحيلاً " ونقرأ أيضاً :" لم أغلق هذه الليلة بعد/ هو النهد الذي يرسم طريقاً الى الله ". وأحبّ اسكندر حبش أخيراً لأنه لم يحوّل الحداثة، ككثيرين من أتباعها، الى وثن آخر او ديانة أخرى، بل رأى فيها أفقاً ومغامرةً وخياراً جمالياً وقيمة مضافة الى جماليات الشعر العربي الأخرى. ولأنه كذلك فقد احتفى بالأساليب على اختلافها وبالتجارب على تنوّعها وأخلص للمغامرة الابداعية اخلاصه للحرية وللصداقة، إخلاصه للحياة. وأخيرا أقول لاسكندر حبش في ليلته الزفافية هذه : يا صديقي بنصف تفاحة فقط استطعت ان تستحوذ على قلوبنا جميعاً فاتّق الله بالنصف الآخر!


التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.