الرئيسية » » الشعر وتحقق الأنوثة قراءة في قصيدة سامي الغباشي ** د. منال البستاني

الشعر وتحقق الأنوثة قراءة في قصيدة سامي الغباشي ** د. منال البستاني

Written By Hesham Alsabahi on الاثنين، 8 سبتمبر، 2014 | 3:30 م

الشعر وتحقق الأنوثة

قراءة في قصيدة سامي الغباشي

**

د. منال البستاني

(1)

النص

امرأة متخيلة : تتحقق فجأة

**

يستديرُ العام تلوَ العام

وهي سيدة المقام..

بهجة اللقيا وزلزلة التفاصيل..

بقدمين زنبقتين تعزفان على الأرض

خطوتها مموسقة

فتانة لعينين عالقتين بالخبب الأنثوي

يدبُّ على الأرض فتهتز العناقيد..,

شهوى" يشاكسني بين أنحائها

وهي خجلى..

وتاريخ من عطر النساء ينزّ

عسل حار/عنب حلال/ياسمين

جسدٌ يشف فيستعد

وجسد يخف فيتحد

ولا لغة بيننا

سوى رقصة الروح الفتية

ونمدُّ أيدينا للهفتنا

نمسح العرق الحميم

ونستعد لرقصة أخرى

)2)

تدور قصيدة سامي الغباشي "امرأة متخيلة ..تتحقق فجأة " في فضاءات من الحلم والأنغام والعطور والزمن الذي يتألق في في مخيلة الشاعر فيهيج الخيال,وهو زمن صوفي مضيئ , كأنّ المرأة تشكل بالنسبة للشاعر خِفة الزمن الفني بالنسبة لسكونيةالزمن الأبدية ، فالشاعر الذي يدور في دوامة الزمن يتخذ من الأنوثة وسيلة للحياة السرمدية.الشاعر هنا خارج الزمن ويتحداه ماضيا إلى عالم لازمن فيه يعيق ، ولا يعكرماهية الروح التي هي ماهية الشعر.

إنّ شعرية الأنوثة توحي بقوة استثنائية تساعد الشاعر على الهروب من هوة الزمن "يستدير العام تلو العام",فهو إذ يتأمل هذا العالم الذي انقلبت فيه كل المعاييروانهارت,لا يجد ملاذا إلاّ في فراديس الأنوثة الشعرية , فالمرأة هي هنا"سيدة المقام"لأنها تشكل الثراء اللحني الذي يرمز إلى الشرق الأصيل , هي نقطة التحول الذي يقودنا إلى الوضع الطبيعي فنحن في زمن أسود أو ما فوق السواد."هي"ضمير الغائب يتنافى مع الحضور,غيابها هو غياب الجمال وحضورها هوحضور الجمال والبهجة التي تغذي الروح وتبعث الأمل.

إن الغباشي يرى الجمال بعين اخترقت الرؤيا الثاقبة حيث يندمج الفكر الحر وقوة الخيال,يريد أن يُضفي على الواقع جمالا ينبثق من صميم حياتنا,فالمرأة تثير فيه شعورا بالفرح والارتباك والنشوة لأنها العمل الفني الذي ينتصرعلى القبح والشر والظلم والفناء,إنه يربط المرأة بسائر الوظائف الحياتية التي تُحفِّز فيه النشاط المعرفي وتعطيه القدرة على تغيير النسيج الاجتماعي, وتحضير إنسان المستقبل,إنسان الحق,إنسان الجمال.

إنّ المرأة في هذه القصيدة ليست إلاّ تجليا من تجليات الحضور الإلهي الذي يستحضرالبهجة والضياء,فحضور الأنوثة هو قيامة ,وهو زلزال,لكنه ليس زلزالا تدميريا أو وباء, بل هو زلزال جمالي يعيد هندسة بناء الروح بكل ما فيها من تفاصيل حياتية , بناء القيم,بناءالأخلاق والفضيلة, بناءً جوهريا ينير مصابيح الضياء المنطفئة "زلزلة التفاصيل".وإذ يقول الغباشي:

" بقدمين زنبقتين تعزفان على الأرض..

خطوتها مموسقة

بهذه السطور يأخذنا الشاعر إلى العطور والألحان فتلتحم الصور الحسية والسمعية والبصرية في أجواء يتحول فيها العالم إلى أفكار عليا وقيم أخلاقية بيضاء ونقية.إنّ الغباشي يستحضر بدقة شعرية أفول الجمال,ومقبرة الفكر, يبكي الإنسان الذي قهرته القوة القمعية,فالمرأة مرتبطة عنده بالفكر النقي والتجليات,حضورها قيامة فكما تُخرجالأرض أثقالها يوم القيامة,تّخرج الذات الشعرية أثقال الروح الإنسانية المكبلة بالظلموالانتهاك.إنّ كلمة "مموسقة" لها شعرية ذات وقع سمعي قوي لأنها تعبر عن رشاقة أثيرية كأنّ المرأة رقصة باليه ,هذا الرقص التعبيري الفائق في عذوبته ,حضورها يمثل هذا الانسياب الروحي الشفاف .إنّ المرأة تّضفي على روح الشاعر وعلى الواقع جمالا فتانا يشبهه الشاعر ببحر من بحور الشعر العربي الأصيل وهو بحر الخبب.إنّ إيقاع الأنوثة إيقاع يجذب , إيقاع راقص,كأنه فرس يعدو ، فكأنّ المرأة في رؤية الشاعر تشكل صورة كونية وروحية ,وهي التعبير الكلي للكمال,وهي التجلي والإلهام, وهي المرشد,وهي الفعل الخلاق الإيجابي.هي الشعر..طيبة النية وطيبة الكلام والفعل, تتنافى بذلك عن سوء النية وسوء الكلام وسوء الفعل.إنّ الغباشي إذ يرى فيها رمزا جنسيا فلأنّه يربط هذا الرمز بوظيفة الفن الذي يتصدى لكل العقبات النفسية والروحية التي تحاصر الإنسان,إنّه يعبر عن رغبته في إخصاء السلطة وتعطيلها عن فعل الشر,الغباشي يشير برموز شفافة إلى لذة تخصيب الفعل على الصعيد الجمعي والفردي. إنّ الأنوثة تُضفي على عين الذات الشعرية هذا السحر الجوهري الذي ينغمس في اللاوعي , فبهذه الأنوثة الفتانة يقتحم الشاعر بجرأة وجسارة لغة الشعر المنيعة , يخترقها في صورة من صورالحب الذي يؤدي فعله حد التوحد بالذات الألهية.إنّ العناقيد في القصيدة تشكل الفعل الخصب وإن كانت تحمل في خفاياها رمزا جنسيا فهو رمز مثقل بدلالات عميقة من الحياء والقدسية بحضور مفردة "خجلى" . إن العناقيد هنا ليست إلا تشييدا لكل الأفعالالحيوية التي يبنى عليها العالم ، ومنها العدالة التي هي قاعدة ارتكاز كونية ، فغياب العدالة يؤدي إلى انهيار كوني ومجتمعي وفردي .

إن الغباشي يستهجن العهر المعنوي والسياسي اللا أخلاقي الذي أصبح سمة من سمات عصرنا الذي غابت فيع القيم السماوية ؛ ولهذا أضفى على فعل التخصيب صورة مجازية جاءت بصيغة مشاكسات لحنية وهي أبهى صورة من صور الحب والعدالة التي بغيابها تترهل القيم وتفقد الحياة قامتها الباذخة ، ثم يأخذنا الغباشي إلى صورة من صورالأنوثة العذبة ، فكأنها تاريخ من العطر موظفا الفعل " ينزُّ " فالأرض هي التي تنز ماء ، أما الأنوثة فتنزُّ عسلا حارا وعنبا حلالا ، وهي رمز للثراء والحلاوة الفردوسية تتنافى مع مرارة الحياة وتقدم له كل ما حرم منه الإنسان منذ هبوطه إلى الأرض وطرده من الجنة . إن الأنوثة هي جنات عدن فيها إثارات فاتنة ، إنها عسل الخلود وأعياد الحب ونبيذ العسل لا يكاد الشاعر ينجو من شراكها ؛ لأنها صورة للثقافة المعرفية والنعم الروحية ، وهي من أجمل الصور الاجتماعية التي تحقق السعادة المستقبلية للإنسان ؛ فهي السمو من حيث الوجود ومن حيث المعرفة ، فمعها يطلق الشاعر الصورة الفكرية إلى ما بعد التجربة . إنالأنوثة وقاية من أمراض العصر ، وأكثرها خطورة هي العمى ؛ لأن عالمنا المعاصر ينخدع بالمظاهر الكاذبة وقد أغمض عينيه عن ضياء القيم والفضيلة وعن ضياء الحقيقة .إن الشاعر يدعونا إلى النقاء الأبيض الذي يفوح بعطر الياسمين ، ويدعونا إلى العودةإلى قامتنا الحقيقية ، ثم تشتد النشوة حدَّ الوصول إلى هذا الفرح الجامح ، الهذياتيالمحموم ، فالأنوثة والشعر يشكلان عنده رقصا باخوسيا يثيران فيه الشعور بالنشوةوالانعتاق من الطاقة الانفعالية المفرطة . إن التوحد مع المرأة والشعر يشكل في رؤية الشاعر هذا الرقص الأعجوبي والرؤى الشعرية التي تنتج الجمال المتناسق ، إن المرأة والشعر يمثلان فضاءً مفتوحاً يلمسه الشاعر ، يشمه ، يتذوقه ، يسمعه ويعانقه ، فهما فرحة بانتظار فرحة ، إنهما لغة الاشراقات ، لغة النوافذ المطلة على الشمس ، ولغة الشرق التي يطمح الشاعر إلى أن يعود إلى رونقه الجوهري الأصيل . ،

إن الغباشي إذ يبحث عن المثال والجمال فلأنه يرى فيهما حالة ذات طابع يتسم بالتأمل العميق الذي يفتح نوافذ الحلم لتجربة إبداعية جديدة ، فهو يرى في المرأة والشعر هذه الدهشة الميتافيزيقية التي لا يمنحها إياه الواقع الشحيح ، بل يمنحه إياه الشعر بهذا السخاء. إن كلمة امرأة هي ملكة الكلمات ؛ لأن فيها لذة الفرح الإبداعي ، وهي فعل الحب الأكثر كمالا ، والتي تثمر منها الفكرة فتولد القصيدة بعد مكابدات واحتقانات روحية وجسدية.

إن قصيدة الغباشي " امرأة متخيلة .. تتحقق فجأة" ذات طابع فلسفي أبيقوري وصوفي ، فالشاعر هنا هو هذا الأبيقوري الشهواني في حبه للمرأة واللغة ، حب تمتزج فيه لذة الصبا والفتوة للمتصوف الذي انتشى بلذة التوحد مع الله .


التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.