الرئيسية » » عبد القادر الحاوفي | محمد بنميلود

عبد القادر الحاوفي | محمد بنميلود

Written By Hesham Alsabahi on الأربعاء، 10 سبتمبر 2014 | 2:01 م

عجيب أمر المغاربة، هناك شاعر اسمه عبد القادر الحاوفي مات منتحرا، لم أسمع أبدا في حياتي كاتبا مغربيا يتحدث عن الحاوفي، ولا أعرف موقع الحاوفي في خارطة الشعر المغربي، ولا أعرف ماذا سيكون موقعه الآن في تلك الخريطة بعد انتحاره، ولا أعرف كيف يصوغون تلك الخارطة وبناء على أي معايير. 
أول مرة أسمع فيها باسم عبد القادر الحاوفي هي بعد انتحاره، وصلت إلى صفحته في الفيسبوك بمساعدة صديق، وجدتها صفحة مقفرة وفقيرة وحزينة ولا أحد يضع لايك لقصائده سوى أربعة أو خمسة أسماء مجهولة. ثم بعد ذلك وجدت أشخاصا يكتبون خبر انتحاره أو أشياء عنه فيتجاوز عدد اللايكات المائة، بالإضافة إلى تعاليق غامضة تربط مصير الشعر والشعراء بالانتحار، وبأن ذلك نتيجة لاغتراب الشاعر في وطنه، وأن الشاعر الذي ينتحر شجاع والذين يبقون جبناء، وأنه أي الشاعر مهمش ومقصي ولا أحد يعترف به ولا بشعره. أقرأ تلك التعليقات وأكره في أعماقي أن تكون هذه هي صورة الشاعر التي رسموها لنا وآمنوا بها وينتظرون منا أن نتقمصها أو أن ننتحر نحن أيضا لنتحول بين ليلة وضحاها وبشكل جد مفاجئ وجد عبثي ومأساوي إلى أبطال أسطوريين مزيفين. 
السؤال الذي أطرحه هنا هو ما معنى الاعتراف، ومن هم الذين لم يعترفوا بالشاعر؟ هل المقصود هنا المؤسسات الرسمية أم الشعراء والكتاب؟ إن كان المقصود هو تلك المؤسسات فهذا تراجيدي أكثر من الانتحار؛ أن ينتحر شاعر لأن المؤسسات الرسمية لم تعترف به، وإن كان المقصود هم الكتاب والشعراء فالسؤال هو لماذا لم يعترف به هؤلاء؟ هل لأنهم وجدوه شاعرا رديئا في حقيقة الأمر أم لأنهم هكذا لا يعترفون بالشعراء الآخرين مهما كانوا عباقرة، وأن هذه هي الثقافة المغربية في عمقها الحقيقي تتكبر أو تتعامى بكثير من الدونية عن مديح الأحياء، بينما تتهافت بطريقة غريبة ودون أي حرج على مديح الأموات، وبالضبط على مديح الموت؟ وهل الآن يعترفون بشعر الحاوفي؟ أم بانتحاره؟
طبعا هناك أصدقاء للحاوفي أو كتّاب لهم ذكريات معه كتبوا عنه بصدق متأثرين بموته، هذا شيء طبيعي ونبيل، ردة فعل عاطفية وإنسانية لا نستطيع المساس بها، بل نحن أيضا جميعا تأثرنا لسماع الخبر، وسنتأثر دائما كلما سمعنا موتا أو انتحارا سواء لشاعر أو لغير شاعر دون تمييز، لكن، من المؤلم جدا أن نُدخل شاعرا إلى خريطة الشعر المغربي وأن نؤسطره ليس بشعره، بل بانتحاره. إنه أمر مؤلم وسخيف جدا وبدون معنى أو قيمة أو صدق حتى بالنسبة لروح ذلك الشاعر نفسه الذي ظل وحيدا ويائسا حتى الأخير. خصوصا إذا كنا نعلم أن لا علاقة في الحقيقة للشعر ولا للفكر ولا لموقف من الوجود بالانتحار. بل الانتحار نتيجة عادية لحالة مرضية متقدمة لا يعود معها الشخص قادرا على تحمل الألم، حين يصير نداء الموت بالنسبة له بكل غموضه ومحوه وقسوته أرحم من البقاء على قيد الحياة، أي أن الانتحار ضعف كامل وانهيار وليس بطولة. 
كتب الحاوفي عن زوجته المريضة والبعيدة في مستشفى لأجل إجراء عملية جراحية وعن عدم قدرته على التواجد معها في محنتها ووضعِ يدهِ على يدها، وهذه كتابة غامضة وقاسية وغير طبيعية ولايمكن فهمها إلا داخل حالة جد متأزمة نفسيا واجتماعيا واقتصاديا. لا يمكن فهمها إلا كمدّ اليد راعشة لآخر مرة طلبا من الأصدقاء والمقربين له النجدة، ليس للاعتراف به كشاعر، وليس لنشر قصائده وإلقاءاته الشعرية والكتابة عنه دون إحساس برغبة حقيقية في ذلك، بل مساعدته نفسيا واجتماعيا واقتصاديا للخروج من نفق أزماته، نداء إنسان يتألم، وليس نداء شاعر، نداء غريق، وليس نداء سباح. 
والآن حين يقذفون له حبال النجاة، يقذفونها بجدية كبيرة، وبدرامية مؤثرة، وبعبثية مؤلمة، بعد أن غرقت السفينة في النهار ببطء شديد أمام أعين الجميع، ظلوا واقفين على الرصيف بتشكك حتى تأكدوا أنها غرقت، بعد ذلك جاؤوا في الليل مسرعين في جماعات كثيرة، لإنقاذها. — يشعر بـالحزن

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.