الرئيسية » » نعش أحمد رجب | محمد فتحى

نعش أحمد رجب | محمد فتحى

Written By Hesham Alsabahi on الجمعة، 19 سبتمبر 2014 | 5:49 م

نعش أحمد رجب

يا الله . أي تصاريف قدر جعلتني أجلس الآن إلى جوار رجل تمنيت لقاءه في حياته، فإذا بي بجوار نعشه، أنظر له في حزن ، وفي ترقب، لعله يكون مقلب من مقالب الأستاذ الكبير الذي أوجع علي ومصطفى أمين بمقالبه فيهم لأربعين عاماً أو يزيد .

هذا هو نعش أحمد رجب ، وهذا هو أنا ، طفل صغير يجوب طرقا مكتبة عامة باحثاً عن كتبه وقت كان المصروف لا يحتمل، وهذا هو كتابه صور مقلوبة ، درة أدبه الساخر من وجهة نظري ، بعيداً عن عبقريته في نص كلمة .

هذا هو نعش أحمد رجب ، وهذا هو كتاب موسى صبري خمسون عاماً في بلاط صاحبة الجلالة متحدثاً عن الشاب الذي لفت نظره في مكتب أخبار اليوم بالاسكندرية لأنه يكتب أخبار الجامعات بخط جميل منمق بالحبر البنفسجي وبأسلوب متميز، فيرشحه للعمل في أخبار اليوم ليترك الاسكندرية ويأتي للقاهرة، ويعين في مجلة الجيل .

هذا هو نعش أحمد رجب ، وهذا هو كتاب صديقي وزميلي محمد توفيق (أحمد رجب .. ضحكة مصر) ، يحكي عن بدايات لا يعرفها الكثيرون لأحمد ابراهيم رجب الذي أصدر مجلة أخبار الجامعة في حقوق اسكندرية وكانت توزع سبعة آلاف نسخة، ولما توجه للقاهرة بعد ترشيح موسى صبري كتب في باب الجرائم عن ألغاز يبحث عن حلها ، ثم كتب أخبار الأسبوع ، وطوره ليحكي عن قصص أبرزها الشيخ براندو ، مقرئ القرآن الكريم الذي تطارده سيدة سورية تعشقه ، فيصبح الشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد نار على علم ، ويزيد المقابل الذي يتقاضاه في المآتم وإحياء الليالي ليصل إلى 300 جنيه .

هذا هو نعش أحمد رجب ، وهذا هو كتابه الرائع (أي كلام) ، يقتنص منه جمال الغيطاني مقدمته ، ليكتب عن عادات أحمد رجب وموعد وصوله المقدس، بينما يحكي أحمد رجب عن أبوزيد بواب أخبار اليوم الذي كان علي ومصطفى أمين يعتبرانه لسان حال المواطن المصري، فيذهب مع كبار النقاد والصحفيين للسينما ليشاهد الفيلم ويقول لهم رأيه، ويهدد به علي أمين كل مقصر في عمله ليقول : "أنا اجيب ابو زيد يعملها بدالك" ، حتى كانت هذه اللحظة التي دخل فيها سكرتير التحرير أحمد رجب لعلي أمين مبرزاً غلاف العدد، فيرد علي أمين : "انا احط صورة ابو زيد أحسن على الغلاف"، فيمشي أحمد رجب ويتحدث لعلي أمين مقلداً صوت مدير المطابع وسائلاً إياه عن صورة أبو زيد التي نزلت على الغلاف ، فيسمع خبطة يد علي أمين الذي يهدد برفد أحمد رجب ، ويضحك الجميع.

هذا هو نعش أحمد رجب ، والمسجد يقترب من الامتلاء ، وأنا ذلك الشاب الذي يحاول أن يتواصل مع أحمد رجب من أجل حوار صحفي ـ أو فرصة لقاء، فلا أستطيع ، يغلق الأستاذ عليه بابه مكتفياً بنص كلمة التي بدأها عام 1968 ، وكانت البسمة اليومية للمصريين، ورصاصات حسرة في قلب الإسرائيليين بدءاً من 7 أكتوبر 1973 حيث تشفي غليل المصريين ساخرة من الخيبة الإسرائيلية التقيلة ، وآخذة طريقها لتصبح خبز قراء الأخبار اليومي الذي لا يستطيعوا أن ينهوا الأخبار دون أكله عبر أكثر من أربعين عاماً.

هذا هو نعش أحمد رجب ، وهذا هو أحمد رجب نفسه وقد أصبح من أهم كتاب مصر قاطبة، وصانع البسمة الذي يكتب أفكار كاريكاتور يرسمه مصطفى حسين، ليصنع معه شخصيات عاشت في قلوبنا جميعاً من كمبورة لعبده مشتاق، والكحيت ، وعزيز بك الأليط، وجنجح ومطرب الأخبار ، وفلاح كفر الهنادوة الذي ينتقد رئيس الحكومة ليستغل أحمد رجب المساحة المتاحة له بأن يصبح المتحدث الرسمي باسم المواطن الغلبان البسيط، ويكون المعارضة الوحيدة في الصحف القومية المصرية المملوكة للدولة، في حالة استثنائية كان يجب أن يتوقف عندها كل منتقديه فيما بعد

تتفق أو تختلف مع احمد رجب ، تعارض أفكاره كما تريد، لكن طوبى لمن يرحلون تاركين لنا ابتسامة، وطوبة في دماغ كل من يحاول تشويه تاريخ وهو يجلس على شلتة طرية.

هذا هو نعش أحمد رجب ، وهذا أنا ، لم ألتقه ، لكن سأقول لأبنائي أني حملت نعشه مبتسماً ومودعًا وواثقاً في أنه سيبقى .



التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.