الرئيسية » , » وقت بين الرماد وحديقة قصر الماء في «سيت» | منذر مصري

وقت بين الرماد وحديقة قصر الماء في «سيت» | منذر مصري

Written By Hesham Alsabahi on الخميس، 9 أكتوبر، 2014 | 11:10 م


منذر مصري

حديقة قصر الماء

منذ اليوم الثاني على قدومنا، نحن ثلة الشعراء العرب المشاركين في الدورة الأولى لمهرجان (سيت) الشعري: (أصوات حية من البحر الأبيض المتوسط) 23-31 تموز- يوليو 2010، مدينة الشاعر بول فاليري والمغني جورج براسنس، وجدنا في المنحدر العشبي لحديقة قصر الماء، الذي تحيطه الأشجار الباسقة وتتخلله الجداول المترقرقة، حيث أقيم حفل الافتتاح، الملجأ الذي نؤوب إليه كل مساء. تردد على جلستنا هذه الشعراء العرب جميعهم، على كثرتهم، إلا أني أخص بمقالي هذا الأشد مثابرة منهم: العمدة حلمي سالم (عيد ميلاد سيدة النبع) ونائبه أحمد يماني (وردات في الرأس) المصريين، صاحب البيان فاضل العزاوي (هنا فوق الكرة الأرضية) العراقي، علي الشرقاوي (مائدة القرمز) البحريني، أحمد راشد ثاني الإماراتي (يأتي الليل ويأخذني)، الذي ما أن وصل مساء اليوم الثاني للمهرجان، حتى كان بانتظاره، الساعة 12 ليلاً، قراءة في مسرح الجيب!، عاشور الطويبي (أصدقاؤك مرّوا من هنا) الليبي، طاهر رياض (ينطق عن الهوى) الأردني، مبارك وساط (فراشة من هيدروجين) المغربي، ثم بالتزام أقل فأقل، عبد الوهاب الملوح (الليل دائماً وحده) ومحمد علي يوسف (ليل الأحفاد) التونسيين، زكريا محمد (أحجار البهت) وغسان زقطان (كطير من القش.. يتبعني) الفلسطينيين، ولا أدري ما كان يشغل الاثنين طوال الوقت؟، وصلاح نيازي (وهم الأسماء) العراقي، أما الأقل يباساً منا كمواطني صالح دياب (قمر يابس يعتني بحياتي) الأشبه بديكور ثابت في مهرجان «أصوات حية»، أما اليانعون منا كمحمد العمرواي (النافذة، الأحد والأيام الأخرى) المغربي الذي لم يفتقر الصحبة اللطيفة أبداً، وصالح قادربوه (التأويل الوردي لبياض الكوكب) الليبي الثاني، وعيد خميسي (تعبير) السعودي، وإبراهيم سعيد (معمار الماء) العُماني، فغالباً ما كانوا يكتفون بالمرور وإلقاء التحية. 

(كوننا عرباً)

حقيقة كان أم وهماً، لا فرق، يجمعنا شيء، هو، ببساطة، من دون أي إدعاء أو غاية، كوننا عرباً. (كوننا عرباً) هذا، جعلنا في سيت، من يعرف الآخر معرفة وطيدة، أو التقى به مرة أو مرتين، ومن لا يعرفه حتى بالاسم، وكأننا.. أخوة. ونحن نتنادى ونجتمع ونتجادل ونختلف، يتأكد لنا هذا الإحساس، وعندما نتعادى، لا يقل. (كوننا عرباً) نحن السودانيين والمصريين، والعراقيين والأردنيين والفلسطينيين واللبنانيين، والمغاربة بأنواعهم، والخليجيين بممالكهم وأماراتهم.. من دون أن أنسى السوريين!، إن كانت حقيقة، فهي من النوع المحسوس (المرئي والمسموع والملموس) الذي لا حاجة لنا للبحث عنه في الخزائن والأدراج، لأنها أمام أعيننا، وعلى حد تعبير شوقي ابي شقرا (حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة)، تتلون وتتشكل وتتبدل وتتغير وتتحول وربما تفنى وتصير شيئاً آخر!؟؟. وإن كانت، كما قد يعترض البعض، وهماً، فهي إذن بانعدام خضوعها لقانون الموجودات تصير مثل كل الأوهام معصومة على التغيير والفناء. ولا يضير حقيقة أو وهم (كوننا عرباً) أن لا يجد بقية إخواننا من الشعراء العرب المشاركين كأمينة سعيد التونسية وفوزية خالد السعودية وحبيب تنجور ونصيرا محمدي الجزائريين، وأدونيس السوري أو اللبناني لا أحد يستطيع أن يحدد!، ما يفرجون فيه عن كربهم.

مكروبون في كل مكان

نعم.. كنا مكروبين في سيت، كربنا الأول كان الخبر الذي عرفناه قبل قدومنا بيوم، الحادث المروع الذي تعرض له عباس بيضون، ثم تلك الأخبار المتضاربة التي كانت تتناهى إلينا عن حالته الصحية. في حفل الافتتاح قدمت له قصيدة ( وبقي لك الشعر/ نهرك الوحيد/ حيث لا بهجة تنبجس من نبعه/ ولا حزن ينبت على ضفتيه/ بل مجرد قاع عميق). بالنسبة لي عباس كان أول من أعول عليه لقضاء وقت طيب في سيت. لقاؤنا في مهرجان برلين قبل شهر، كان ليومين فقط وذلك بعد ما يزيد عن أربع سنوات على آخر زيارة لي لبيروت. عباس صانع بهجة أينما حلّ، المهم أن يكون لديه وقت ليجلس مقابلك ويتكلم ويتكلم و.. ويضحك ويضحكك. فما بالك بالوقت السائب الذي كنا سنقضيه معاً في حديقة قصر الماء، والحوريات السبع اللواتي يقمن بإدارة المطعم الصغير هناك يغنين ويرقصن كل ليلة. ثم لا تلبث أرقهن (صوفي) أن تأتي وتختارك أنت بالذات لتغني خصيصاً لك، تلك الأغنية التي تقول: «يا لك من زير نساء سعيد الحظ، تستطيع بنظرة واحدة أن تجعل من أجمل النساء أسيرة هواك، ولكن كن على حذر، كن على حذر، فزوجتك التي تنتظرك في البيت، قد استبدت بها الغيرة، وهي أعدت طريقة رهيبة للانتقام منك». كنا مكروبين، لأننا، نحن العرب، شعراء أم غير شعراء، تمثلاً بالعظة الكربة لشاعر عاش في الإسكندرية قبل أن تعود لنا فنملأ بالزبالة طرقاتها، قسطنطين كفافي: «من أفسد حياته في هذا المكان، أفسدها في كل مكان». أناس مكروبون أينما ذهبنا. كنا مكروبين وما زلنا مكروبين، لأننا للتو غادرنا بلاداً كربة وشعوباً كربة وأزمنة كربة.. وهذه كلها حقيقة كربة.

قضية عربية كربة كغيرها

ولكوننا شعراء، عرباً، مكروبين، ومرة ثانية من دون تحميل أي من هذه الصفات أي نوع من الإدعاءات، فلقد وجدنا أنفسنا خائضين في قضية شعرية عربية غدت على أيدي أكثر الذين تناولوها، قضية عربية كربة بامتياز، وبخاصة بالنسبة لصاحبها، وهي لماذا لا ينال الشاعر العربي أدونيس جائزة نوبل للأدب، ألا يستحق العرب، أحفاد أمرئ القيس والمعري والبحتري والمتنبي وأبي تمام أن يكافأوا على كونهم أمة الشعر بجائزة نوبل أخرى، بعد أن نالها منهم روائي /1988/ دونك جائزتا سلام وجائزة واحدة في العلم، فبدا ذلك وكأنه أمر خارج السياق، أو كأنه لا يوجد عند العرب اليوم شعراء كبار يستحقون هذه الجائزة. وحسب معرفتنا، كان أدونيس لعدة سنوات مرشحاً ثابتاً لها، أدونيس المحتفى به في مهرجان (سيت)، من يتصدر اسمه في كل الإعلانات قائمة الشعراء المشاركين، ومن قرأ أول قصيدة في حفل الافتتاح، ومن لا يوجد له قراءات أو ندوات مشتركة مع سواه، وعذره أنه لا يستطيع أن يمكث في سيت أكثر من أربعة أيام، ومن حين نلتقيه يسهل علينا بلطفه الزائد وقده الرقيق أخذه كاملاً بالقبل. حتى وإن كان يفضل في النهاية أن ينأى عن الجميع، جرياً على الحال الذي وصفه به علي الجندي: «ما أن تلتفت إلى أدونيس حتى يختفي!».

الواقع والأمنية

وبعد أن ذكرت أسماء الشعراء الذين ورطتهم في هذه الندوة غير المعلنة في برنامج المهرجان المكتظ لحد الإنهاك بالقراءات والندوات والحفلات، فإنني أجد نفسي غير مضطر لأن أذكر بالتحديد من هو صاحب هذا الرأي أو تلك الفكرة منهم، كما أجدني غير مضطر أيضاً للتقيد بما قالوه حرفياً، خصوصاً وأن ذاكرتي ليست على هذه الدرجة من الدقة لتستعيد كل ما جرى على ألسنة شعراء مستلقين على ظهورهم أو منبطحين على بطونهم، أو فقط جالسين فوق العشب. لذا سأكون حراً في أن أضيف ما أراه مستوجب الإضافة، وأنقص ما أراه مستوجب النقصان، من دون أن أحمل أحدهم بالذات مسؤولية الكلام. خاصة وأنه في مجمله يصب في (لماذا لا يفوز أدونيس بجائزة نوبل؟) وهذا واقع، وليس (لماذا فاز أدونيس بجائزة نوبل) وتلك أمنية، أي في الجانب السلبي للقضية لا الإيجابي. وأول ما أتمنى أن يتفهم هذا صديقي أدونيس بالذات، خصوصاً وأنني لا أريد أن أبدو وقد جحدت مساء رائعاً قضيناه معاً، بدأ بمسيرة طويلة لحضور قراءة شعرية لآنوك إيميه (رجل وامرأة) في مسرح البحر، يهمس لي: «إذا كنت تفضل الخروج؟» ثم يتابع قائلاً: «أنوك إيميه قارئة رديئة للشعر». وانتهى بقبولي دعوته للعشاء بشرط أن يقتصر على السلطة والجبن الفرنسي والنبيذ المر، ولكن ليس بمرورة أحاسيس أدونيس ونحن نتطرق إلى أغلب ما سأقوم باستعادته جواباً على هذا السؤال:

1: أدونيس ليس خير ممثل للعرب

أظن تفكير مجلس أوصياء نوبل بتخصيص جائزة ثانية لأديب عربي، له شروط مختلفة عن شروط إعطائها لأي أديب من أمة أخرى. أقصد أن إعطاء الجائزة اليوم لأي أديب عربي بعرف كهنة نوبل القابعين في ستوكهولم لن تكون لشخصه فقط، بل يجب أن تتخطاه لتكون جائزة للعرب قاطبة، العرب كشعب، وكأمة. وللقبول بهكذا فرضية، فإنه لفت انتباهي أمران، مع أني لا أعتبر نفسي متابعاً حثيثاً للموضوع، وهما ليسا من بنات أفكاري، بل قرأتهما لا أذكر أين ولا أذكر متى. وهذان الأمران بقدر ما يقومان على أساس واحد، بقدر ما يختلفان، ويتناقضان، أولهما: إن إعطاء الجائزة لأدونيس بعد اتخاذه لهذه المواقف العدائية من الثقافة العربية الراهنة وإعلانه احتضار الحضارة العربية، والذي لم يجد ما يدافع به عن نفسه حياله، سوى أن يقول إنه كلام سبق وأعلنه مراراً في مناسبات عديدة في الماضي، فلماذا كل هذه الضجة حوله الآن!؟، لا يحقق هذا الشرط الخاص الذي ذكرته. ثانيهما: إن أدونيس نفسه يصرح ضمن حملته على الحالة العربية الراهنة، أن العرب يجب أن يكفوا عن التفكير بجائزة نوبل لأنهم لا يستحقونها، معللاً ذلك بأسباب سياسية!؟. لذا فإنه في المحصلة قد يثير حصول أدونيس على جائزة نوبل استياء العرب من الأكاديمية السويدية لجائزة نوبل وما تمثله كرمز حضاري للغرب أكثر من رضاهم.

2: استنفاد فرص الترشيح

لا أظن أن موضوع نيل أدونيس جائزة نوبل ما زال مطروحاً لليوم، نعم لقد رشح أدونيس للجائزة مرات عديدة، وكان قريباً جداً من الحصول عليها مرة أو مرتين، حتى أن بعض الأقنية التلفزيونية نصبت كاميراتها أما باب بيته في باريس، إلا أن عدم موافقة أعضاء معينين في هذه اللجنة حال دائماً دون ذلك، حتى إنه يحول الآن بينه وبين الترشيح بحد ذاته، لدرجة أنه، يمكن القول، استنفد فرص الترشيح كلها. وقد حصل هذا سابقاً مع عديد من الأدباء العالميين الذين كانوا بعرف الجميع من أكثر المستحقين لها، مثل غراهام غرين، جورج أورويل وبرتولد بريخت وتنسي ويليامز وأرسكين كالدويل ونيكوس كازنتزاكيس ويانيس ريتسوس والطيب صالح، وحسبما تناهى لي أن أنظار لجنة جائزة مخترع الديناميت السيد ألفريد نوبل الآن قد استدارت باتجاه المغربي الطاهر بن جلون، الذي يمكن اعتباره كاتباً عالي التطابق مع المواصفات المثلى للفائزين الجدد بجائزة نوبل من حيث توجهاته الأدبية والفكرية، إلا أنه، إشارة لما ذكر سابقاً، كاتب داخل دائرة الثقافة الأوروبية أكثر منه كاتباً عربياً، بل إنه أحد الأمثلة الباهرة على أزمة الهوية العربية والثقافة العربية، فكيف تعطى الجائزة لمن يكتب باللغة الفرنسية ويُقال إنها جائزة لكاتب عربي.

3: هل يستحق أدونيس الجائزة؟

ولكن لماذا لا نسمح لأنفسنا بتساؤل: هل قيمة شعر أدونيس محملاً نتاجه الفكري تصل إلى مستوى هذه الجائزة. هل استحقاق أدونيس لنوبل قضية بديهية لا تقبل منا الأسئلة؟، أو أن القيمة ليست أكثر من قضية اعتبارية لا يجب التوقف عندها، فيكون تساؤلي حولها خارج الموضوع؟. هل أدونيس شاعر كبير حقاً؟، أقصد هل هو مبتكر أشكال شعرية جديدة فتحت للشعر العربي والعالمي آفاقاً واسعة، أم أنه فقط مستفيد من أشكال شعرية سبق وابتكرها آخرون؟. من هذه الناحية فأنا أعتقد أن أدونيس بدأ كشاعر تقليدي (قالت الأرض) ثم اصطدم بالقصيدة الحديثة، وراح يكتب ما أتفق على تسميته، قصيدة التفعيلة (أوراق في الريح)، التي كان يكتبها قبله بسنوات الشعراء المحدثون الرواد كبدر شاكر السياب ونازك الملائكة ونزار قباني على سبيل المثال، أما قصيدة النثر فهو يوماً لم يكن من شعرائها بالمعنى الحقيقي للكلمة، وبالتأكيد ليس من روادها، فقصب السبق يعود لشعراء آخرين مثل توفيق الصائغ وجبرا إبراهيم جبرا وسليمان عواد ومحمد الماغوط وأنسي الحاج الذين كانوا شعراء نثريين منذ بداياتهم. هذا من الناحية الشكلية، أما من الناحية الفكرية، فأنا أتساءل ما إن كان شعر أدونيس الذهني المنشغل على نحو هلوسي، بالماضي وتجلياته الراهنة، المتعالي عن الواقع.. عن الحياة، غير الحسي، المعدم عاطفياً ما أمكن لشعر أن يكون كذلك، يحمل قيماً إنسانية عالية؟. مَن ديدنه: ( لغم الحضارة هذا هو اسمي)، و(قبر من أجل نيويورك) و(جاء العصف الجميل ولم يأت الخراب الجميل!)؟. 

4: شعر أدونيس تقتله الترجمة

قد أختلف قليلاً أو كثيراً مع التقييم السابق لشعر أدونيس، ولكن حسب معرفتي أن لجنة نوبل تعتمد لغات محددة لتقييم نتاج المرشحين للجائزة، وهي الانكليزية والفرنسية والألمانية. أي أن اللجنة لا تتطلع على نتاج أدونيس في لغته الأصلية، وهنا أجد أن العائق الأكبر الذي حال دون نيل أدونيس هذه الجائزة هو الشعر الذي يكتبه!، نوع شعره؟، شعر يشترط حضوره حضور اللغة التي كُتب بها. أدونيس شاعر لغة كما ليس أي شاعر آخر. أتذكر الآن جواب أدونيس على سؤال بما معناه: «تحيا في فرنسا منذ عقود، وتجيد اللغة الفرنسية لدرجة أنك ترجمت سان جون بيرس وإيف بونفوا وجورج شحادة وراسين!؟؟ فلماذا لا تكتب بالفرنسية مباشرة؟» أجاب أدونيس: «لا أكتب الشعر إلا باللغة العربية، لأني أعتبرها أمي وبقية اللغات خالات!؟». فهذا الشعر الذي لا يمكن أن يكتب إلا بلغته الأم، هو المثال الأنصع لخطل مقولة تنسب للفيلسوف هيغل: (الشعر هو ما تحمله الترجمة). فالترجمة تقوم بخيانة كاملة لشعر أدونيس، لدرجة أنها تتحالف مع أعدائه، وذلك لأنها لا تستطيع أن تحمل ذلك المهرجان الإيقاعي واللفظي واللغوي الذي يتبدى في أغنى حالاته على سطح النص الأدونيسي؟ من يعرف اللغة الألمانية ويقرأ شعر أدونيس المترجم إليها، بإمكانه أن يتأكد مما أقوله.

5: ما قام به أدونيس للتقرب

من الجائزة أبعدها عنه

كثيراً ما أشيع عن أدونيس بأنه منذ أن لاح في الأفق احتمال نيله لجائزة نوبل، فإنه، هو الحاصد أغلب الجوائز العالمية للأدب (جائزة لينين السوفياتية، جائزة ناظم حكمت التركية، جائزة العويس/ مناصفة مع محمود درويش/، جائزة الأدب من أكاديمية الفن الأميركية، جائزة غوته من برلين، جائزة ماكس جاكوب الفرنسية، جائزة ليتيو الإسبانية، جائزة زونغ كون الصينية)، التي كلها بكفة وجائزة نوبل بكفة، قد كرس حياته للحصول عليها. فهو يحيا تبعاً لبوصلة تشير إلى الاتجاه الذي يقربه منها ويوصله لها، وذلك باتهامه بالتطبيع مع إسرائيل مرة، ومحاباة الأكراد مرة، والتبرؤ من العرب مرة، ومعاداة الإسلام مرة... وهو بذلك رغم ذكائه يعمل بحسابات خاطئة كلياً، والدليل على هذا أنه سنة بعد أخرى يزداد بعداً عن الجائزة حتى تكاد تُحجب عنه تماماً. مثلاً خذوا إعلانه بأنه لبناني الجنسية بتفصيل يقول إنه من أصل سوري، كما جرى التعريف به في كتاب المهرجان، اعتقاداً منه أن هذا يسهل على لجنة نوبل إعطاءه الجائزة، لأن هناك ميلاً أوروبياً على وجه التحديد لدعم لبنان والشد من أزره، بقدر ما هناك نفور من سوريا والريبة منها. فأدونيس موقن أن السياسة تلعب دوراً في معادلات لجنة الجائزة، تأكد في الماضي بفوز بوريس باسترناك وألكسندر سولجنتسين الروسيين ونجيب محفوظ المصري وغاو كزنغجيان الصيني، كما تأكد في الحاضر بحجبها عن الكاتبة الجزائرية آسيا جبار (أصوات الصحراء)، بسبب عائق سياسي كما ورد حرفياً في مذكرات رئيس اللجنة الراحل جانر جان. إلاّ أن هذا مثله مثل ما ذكرت سابقاً يضع اللجنة في حيرة من أمرها حياله. فصاحب (أغاني مهيار الدمشقي) معروف عربياً وعالمياً على مدى عقود من السنين بأنه سوري، وهذا ما تؤكده موسوعات عديدة منها (ويكيبيديا، ولوكلكس..) ومواقع ثقافية لا تحصى على شبكة الانترنيت، فمثلاً ترد كلمة سوري وسوريا /16/ مرة في مراجعة روبرت إيروين لقصائد حب لأدونيس مترجمة للغة الانكليزية بعنوان (لو فقط يستطيع البحر أن ينام)، وكذلك في مقدمة كتاب (قصائد مختارة) ترجمة خالد مطاوع، الذي سوف يصدر كما يشير موقع مطبوعات جامعة (يال) في 27/9/2010، حيث يرد مباشرة بعد اسم أدونيس (علي أحمد سعيد اسبر): شاعر سوري، الأمر الذي يحير أي متتبع. ولكم أن تتصوروا، مقدار الأذى الذي سوف يصيب السوريين جميعهم، وبالتالي غضبهم واستنكارهم، وربما اللبنانيين أيضاً، لأنه لن نعدم سماع بعضهم يقول إنه استغل ضيافتهم ولبنانيتهم!؟ إذا نال أدونيس جائزة نوبل باعتباره شاعراً لبنانياً. وبالمختصر لو اكتفى أدونيس بشعره، هذا الكم الوافر من الشعر، لربما لم تجد لجنة نوبل ولا أي طرف عربي، لأني لم أعرف أحداً من غير العرب معارضاً لها، سبباً لحرمانه منها. ولكن ألا ينم هذا عن عقلية العقاب؟. إن بسبب زجه بشعره وفكره واسمه وكذلك بنفسه في خضم الأحداث والعالم، أو بسبب تفاعله وايجابيته، أم بسبب اختلافنا معه، الشخصي أو السياسي، نسمح لأنفسنا بإلغاء إنجازه الإبداعي الذي يشهد الغرباء قبل الأهل أنه لا مثيل له في العالم اليوم!؟.

خسائر غير قابلة للتعويض

ذكرت افتقادنا المؤلم لعباس بيضون، ولم أذكر افتقادنا لشعراء حالت ظروف غير مبررة دون قدومهم، كالإماراتية ميسون صقر والفلسطيني راسم مدهون والسوري أبداً مهما تراكمت سنوات غيابه وتعددت منافيه نوري الجراح. وإذا استطاعت إدارة المهرجان شكلياً إملاء فراغ الغائبين، بتكليف شعراء من مواطنيهم بالحلول محلهم في بعض القراءات والندوات، كما حصل معي في أمسية نوري في ساحة كنيسة القديس لويس، 26/8/2010، فإن ندوة الشعراء العرب في حديقة قصر الماء في (سيت) التي عقدت من دون انقطاع سبعة ليال متواصلة، حتى في اليوم الذي جاء حلمي موسى وكشف لنا عن الضمادة كبيرة الدامية تحت قبعته، قد خسرت شعراء كان باستطاعتهم أن يغنوها من حيث لا أحد بمقدوره أن يحتسب.

أما الخسارة الكبرى غير القابلة للتعويض، فهي، آخذاً بالاعتبار كل ما ذكرت، حقاً كان أم بهتاناً، أن يفوت على أدونيس الفوز بنوبل، وبالتالي تفوت على العرب جميعهم، لأني لا أرى اليوم على مدى الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه، إلى منافيه، من يستحقها أكثر، إن لم أقل .. سواه.

اللاذقية 6/9/2010



التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.