الرئيسية » » فن صناعة الوحوش! | بلال فضل

فن صناعة الوحوش! | بلال فضل

Written By Hesham Alsabahi on الأربعاء، 1 أكتوبر 2014 | 9:36 م


وعندما أتحدث عن الوحوش، لا أعني فقط رجال السلطة الذين يمارسون الظلم بقلب بارد، فهؤلاء سيظلون دائما يظلمون طبقا للأوامر مهما تغير مُصدرها دون أن يطرف لهم جفن، أولا لأنهم مسلحون بحصون دفاعية تبرر لهم بإسم القانون والشرع كل ما يفعلونه بل وتجعلهم أبطالا لأنهم يحافظون على الدولة والشعب، وثانيا لأنهم يعلمون أنهم لن يجدوا من يحاسبهم إذا تجنّوا، ويعاقبهم إذا "تجنّنوا"، ويُفرِّق بين أخطائهم الممكنة وخطاياهم المتعمدة.
الأخطر والألعن في نظري هو أن تتحول غالبية المواطنين إلى وحوش تقبل الظلم، سواء كان قتلا أو قمعا أو حكما جائرا أو تكفيرا أو تخوينا، دون حتى أن تشيح بوجهها بعيدا عن هذا الظلم، أو ترفضه في سرها لأنها مغلوبة على أمرها، بل نراها تبرره وتدافع عنه وتلعن كل من يسأل عن ملابساته فضلا عمن يرفضه، بل ولا تجد نفسها بعد فترة قابلة للحياة من غيره، فتقلق إذا تأخر أو قلت شراسته، وتطلب المزيد منه لكي تشعر بالأمن والراحة.
لكن الناس في بلادنا لم يصبحوا هكذا فجأة، لم يفقدوا إنسانيتهم وشفقتهم وتعاطفهم لأنهم تلقوا أوامر بذلك، حتى لو كانت أوامر باطشة مرعبة، فقد كان لديهم على الدوام قبل ذلك حيلهم الإنسانية الذكية والمبدعة التي يفلتون بها من التحول إلى شركاء في الظلم، وكان لديهم دائما إدراكهم بأهمية وجود "براح" إنساني يجمعهم حتى مع من يختلفون معه بل ومع من يكرهونه، ولذلك كان على من يرغب في السيطرة عليهم الآن أن يفقدهم ذلك كله، بأن يحولهم إلى وحوش لا تبارك فقط ظلمه، بل وتطلبه وتأمره به وتلومه إن توانى فيه، ولم يكن من سلاح فعال لصنع ذلك سوى الخوف.
لكي تسيطر على ملايين الناس لست تحتاج إلى خوف ضعيف الأثر أو خوف موسمي يرتبط بأحداث ما ويزول عندما تتغير، أنت تحتاج إلى أن يكون الخوف مناخا مهيمنا على البلاد طيلة الوقت، ولذلك لا بد أن يتم تغذيته دائما وأبدا، لأن المستبد يعرف أنه "عندما يتوقف الناس عن الخوف سيعيدون اكتشاف شفقتهم" على حد تعبير الكاتب ستيفن نايت في فيلم الرائع (أميزينج جريس)، مهمتك هنا لن تكون صعبة خاصة في ظل وجود أسباب حقيقية للخوف مثل الحوادث الإرهابية التي تخيف الناس على أمنهم وسلامتهم، وهذه لن تبذل مجهودا كبيرا فيها، بل ستكتفي باستثمار نتائجها، خاصة أنك لن تعدم أبدا وجود أغبياء موتورين أو شرفاء مقهورين أو خونة مأجورين، وكل فئة من هؤلاء ستساعدك دون أن تقصد على تثبيت وجودك بيأسها أو حماقتها أو خيانتها، وأنت بقليل من الجهد، ستستخدم نتائج أفعالها لتبرير المزيد من الظلم الذي يواصل تقوية الموتورين وزيادة إنتاج المقهورين ومساعدة المأجورين.  
لكنك تعلم أن الرهان على نتائج هذه الأحداث الإرهابية ليس رهانا مطلقا، وربما لا يفيدك بعد فترة من الوقت، لأن الناس سيبدأون بالتململ ثم الشكوى ثم السخط وربما الغضب، ومن يدري ماذا يحدث لو تطورت الأمور عندها وخرجت عن سيطرتك كما خرجت عن سيطرة من قبلك، لذلك ينبغي أن يكون لديك مغذيات أكبر وأعمق للخوف، ولن تجد هنا ما هو أفضل من الخطر الخارجي، عليك أن تجعل الناس دائما خائفين من الأخطار الخارجية: الاحتلال، الغزو، التقسيم، التفتيت، التفكيك، الحرب الأهلية الممولة من دول شرقية وغربية، فرض الشذوذ الجنسي، اغتصاب الحرائر، هدم المساجد، حرق الكنائس، تدمير الدين، والفتنة الطائفية، كلها مخاوف لو نجحت في أن يؤمن الناس بكونها قريبة منهم، لظلوا ناظرين إلى الخارج متوقعين أن تأتي الضربة منه، دون أن يلفت انتباههم ما تقوم به من ضربات في الداخل لتوطيد دعائم حكمك، وحتى لو حاول أحد لفت انتباههم سيقمعونه هم بأنفسهم، بأيديهم، بألسنتهم، برفضهم، بكراهيتهم، لأنهم صاروا مقتنعين أنه عميل للخارج الذي يريد أن يغزوهم ويقسمهم ويهتك أعراضهم ويدمر دينهم ويجعل حياتهم تشبه الجحيم الذي يرونه مُستعِرا في بلاد أخرى.
لكن الخوف شعور قصير الأجل، ولكي يطول أجله ويدوم مفعوله، لا بد من أن يساندك حليف أهم وأخطر، لا بد من أن يسود الجهل، الجهل الذي لا يبدو أبدا كأنه جهل، بل يبدو كأنه معرفة عميقة تقوم بتصديرها للناس وسائل إعلامك المقروءة والمسموعة والمرئية، سواء كانت مملوكة لك أو لحلفائك، عبر عدد لا نهائي من تجار الخوف بأنواعه: الأكاديمي والإستراتيجي والديني والوطني والقومي والشيك والسوقي والوسطي والراقي والمنحط والعقلاني والغوغائي، فلكل نوع من الخوف زبائنه، وليس مهمًا أن تختلف طرق هؤلاء التجار أو مصالحهم، ولا أن يكسبوا شخصيا من وراء هذه التجارة، المهم أن لا يدرك الناس أن ما يتم ترويجه بينهم بوصفه حقائق دامغة، ليس سوى جهل سفيه، بعضه مسبوك وبعضه ملخفن، فكل خوف وله كيّال.
عليك فقط أن تجتهد في تنويع من يعزفون على نغمات الخوف، وتحرص على أن يكون من بينهم أناس محترمو السيرة حسنو السمعة ذوو تاريخ نضالي مشرف، ودائما ستجد كثيرين من هؤلاء قابلين لخدمتك، دون أن يحصلوا منك على ما يحصل عليه المرتزقة والمأجورون، لأنهم يكرهون خصومك الذين كانوا بالأمس حلفاءك، ولأنك رُزقت لحسن الحظ بخصوم مصابين بنوع من الغباء الإجرامي الشرس المستفحل، لذلك لست محتاجا حتى لأن تثبت لهؤلاء المستعدين للخدمة أنك مختلف عن خصومك، ولا أن تعرض عليهم تعهدات ما ترضيهم لكي يقفوا في صفك، هم سيفعلون ذلك دون أن تطلب، وستندهش من ذلك، سيتنبه بعضهم إلى خطورة ما يفعله، لكنه عندما يفعل سيتكفل جمهور الوحوش الذي صنعته به، وما يحدث له سيجعل الذين بقوا في خدمتك أكثر اجتهادا في إقناع أنفسهم بأنهم لا يفعلون شيئا خاطئا، فهم يحمون بلادهم من الضياع والتفكك والإحتلال والتقسيم، وستندهش عندما تجدهم يروجون أكاذيب كانوا من أمهر محاربيها وأشرفهم، وربما وجدت نفسك تستفيد من عطائهم الجديد في تطوير خطابك، بل وتضيق ذرعا بالأغبياء عديمي الموهبة الذين كنت تضطر للتعاون معهم لأن جهلهم الرخيص مطلوب بشدة لمن يحبون الجهل الرخيص وينفرون من الجهل المركب.
الآن، أصبح لديك خوف متجدد مبني على جهل راسخ، فكيف لا تدين لك البلاد؟، كيف لا تجد من يحبك لأنك حميت مصر من أنهار الدماء، دون أن ينظر أسفل قدميه ليرى الدم يغرق الأسفلت، بل إنك ستجده إن سال دم أحد أقاربه أو أحبابه يقبل عليك وأنت المتوجس خيفة منه، ليقول لك أنه يفتديك بدم أحبابه ودمه هو شخصيا، ليس لأنه يموت في سواد نور عينيك، بل لأنه تخلى عن إنسانيته التي تفرض عليه السؤال والشك والتفكير والنقد، وربط نفسه بغاية أسمى هي مكافحة الخطر الخارجي الذي أقنعته به، ولذلك سيطرد أي رغبة له في السؤال عن كفاءتك وقدراتك الحقيقية، وسيجلس في انتظار أن تأخذ له ثأره من أعداء الخارج والداخل، وعندما يراك تضحك ملء شدقيك مع أعداء الخارج وأنت تطلب منهم أن يرسلوا لك الطائرات العسكرية التي تأخرت، لن يشك للحظة في أنهم ليسوا أعداء كما صورت أذرعك الإعلامية له، بل سينظر إليك بانبهار لأنك تقوم بانتزاع الصواريخ من أنياب العدو لكي تضرب بها أعداء الداخل المرتبطين بأعداء الخارج، وهكذا كلما بدا أنك انكشفت في جبهة ما، قامت شبكة أكاذيبك بتغطيتها تلقائيا، لأن انكشافك الآن لم يعد أمرا يخصك، بل أصبح يخص (المواطن ـ الوحش) الذي صنعته على عينك، فهو لن يكون قادرا على مواجهة حقيقة أنه آمن بقوة خارقة لا تمتلكها، وأضاع من أجل ذلك عقله، وفقد إنسانيته حين وافق على قيامك بالقتل والقمع دون حسيب ولا رقيب، ولذلك سيجتهد هو أكثر في تغطية خوائك بأكثر مما تجتهد أنت وأذرعك، ولن يشعر بأي تأنيب ضمير وهو يراك تواصل سحق معارضيك بأشكال متعددة، لأنك حولته من إنسان يمكن أن يكترث إلى وحش يمكن أن يتفرج بشغف، بل ويغضب إذا تأخرت حصته اليومية من الإستمتاع بالظلم.
سيجعلك هذا تشعر بالإنتشاء، وربما ظننت أن هذا الإنسحاق الجماعي يحدث بسبب مميزاتك الخاصة الفريدة، أو ربما بسبب وقوف السماء إلى جوارك، وربما صدقت ما سيقوله لك منافقوك الجدد أن صمت الناس على كل ما تفعله دليل على عظمتك ومحبتهم الغامرة لك، وبالتأكيد لأنك لن تجد من يقول لك أن كل ما فعلته من إجراءات أدت لأن يفقد الناس إنسانيتهم، لن يمر مرور الكرام، بل سندفع جميعا ثمنه غاليا، كلنا ولست وحدك أنت فقط الذي ستدفع ثمنه. لم يحدثك منافقوك طبعا عن خطورة تحويل العنف إلى مزاج يومي للناس، لأنه على حد تعبير عالم الإجتماع الشهير أنتوني ستور يتحول إلى عنف غير مشبع يبحث دومًا عن ضحية، وبعد أن يجهز عليها يطلب غيرها، ولذلك لم يلعب بسلاح العنف حاكم عبر التاريخ إلا ودفع ثمنه هو وكل الذين باركوه وأيدوه وبرروا له وصمتوا عليه وعارضوه أيضا، لأن العنف بأشكاله عندما يتحول إلى صناعة تمارسها الدولة، فإنه يخلق ما أسماه العالم الشهير إريك فروم (دراما التدمير) التي تحقق الإثارة لكل من يشارك فيها أو يستمتع بمراقبتها، والتي إذا أدمنها (المواطن ـ الوحش) لن يكون من السهل أن تقنعه فجأة بأهمية الإنسانية والبناء والعدالة والرحمة والشفقة وكلها أمور لا غنى عنها إن أردت أن يكون لديك نظام حكم مستقر وناجح.
عندما تتأزم الأمور، وفي كل المجتمعات البشرية دائما ما تتأزم الأمور، ستتذكر فجأة أهمية اللجوء إلى سلاح السياسة الذي اخترعه الإنسان عبر العصور لا لكي يحل مشاكله حلولا جذرية، بل لكي يمكنه الإستمرار في التحايل على مشاكله بشكل يؤدي إلى استمرار الحياة وتقدمها، لكنك ستكتشف أنك بلعبتك الدموية جعلت هذا السلاح غير قابل للإستخدام، حين قتلت السياسة وكل ما يرتبط بها من مفاوضات ومواءمات لم تستغن البشرية عنها يوما، وأعليت من شأن العسكرة وكل ما يرتبط بها من سمع وطاعة وانضباط ومنع الكلام والنقاش والإعتراض، ناسيا أو متناسيا أنه لم يوجد على مر التاريخ حرب انتهت بالنصر فقط لبسالة جنودها أو لشجاعة قادتها، وإنما لأنها كانت تعمل في خدمة السياسة الواعية المبصرة التي تعرف متى تحارب ومتى تسالم.
وقبل هذا وبعده، ستجد نفسك مواجها بكم مهول من الإشكاليات التي خلقتها لنفسك بنفسك، سيكون عليك مثلا أن تطلب من مواطنيك أن يحتفوا بالسياح الأجانب، مع أنك جعلتهم خلال الفترة الماضية يتعاملون مع الأجنبي بوصفه جاسوسا حتى تثبت براءته، سيكون عليك أن تقدم للدول المتقدمة تنازلات سياسية لكي تساعد حكوماتها على تفادي انتقادات شعوبها وإعلامها، وعندها لن يكتفي مواطنوك بالإرتباك أو بتغطيتك بالمزيد من الأكاذيب والتبريرات، بل سيتملكهم غضب قاتل لأنهم يرون أعداء الوطن يسيرون إلى جوارهم بسلام وأمان بل ويعبرون عن آرائهم جهارا نهارا، وستجد بين هؤلاء من يظن أنك لا تستطيع قمع هؤلاء من أجل مصلحة مصر، لذلك ربما تولوا بأنفسهم عنك تلك المهمة، وستكون كل اختياراتك مريرة، ولن يكون من بينها المزيد من صناعة الجهل من أجل تدعيم الخوف، لأن كل شيئ في الدنيا له سقف، حتى الجهل والخوف، وعندما تصل يوما إلى سقفيهما وتفكر في خرقه، سيرتد ذلك عليك بقوة، ولن تكون قادرا على التراجع أو التقدم، وربما وجدت نفسك مضطرا لأن تنقلب على أنصارك، أو سيكونوا مضطرين لأن ينقلبوا عليك، وهو ما حدث لكثير من طغاة العالم الذين كانت نهاياتهم البشعة تأتي غالبا على أيدي أشد مناصريهم وأخلص مؤيديهم، لكن النهايات ليست حتمية وليست متطابقة، فكل إنسان يصنع نهايته باختياراته، وأنت وحدك الذي ستحدد شكل نهايتك.
لكن هذا لن يعني أنك ستفلت بما فعلت تماما، صدقني، قد يختلف الناس في أحكامهم وقراءاتهم للواقع، ومع ذلك تبقى قوانين الكون ثابتة مهما ظن البعض أنهم قادرون على مراوغتها والإفلات من نتائجها، وقد كان هناك دائما من يعتقد أنه قادر على أن يحصل على خصم خاص من الكون يمكنه من أن يفلت بما فعل، بل وحدث أيضا أن تم صناعة دول قائمة على رضا المواطنين ـ الوحوش، وبدت تلك الدول قائمة ومستقرة وواعدة لفترات من الزمن، لكن النتائج النهائية كانت كارثية دائما، وما يدهشني أنك تقوم بتكرار سياسات تلك الدول ظنا منك أنك ستحصل على نتائج مختلفة، وهو ما وصفه أينشتاين بأنه التعريف المثالي للغباء، لكنني أعذرك فمتى كان هناك في الدنيا غبي يعترف بغبائه، أو إنسان يدرك خطورة أن يتحول بإرادته إلى وحش.
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.