تجربة عادية جداً | أحمد ندا

Written By Hesham Alsabahi on الاثنين، 8 ديسمبر، 2014 | 4:48 م

تجربة عادية جداً
أحمد ندا
  أحمد ندا نمت لدي رغبة في أن أكون "شاعر المدرسة" أسوة بشاعر القبيلة، ثم ارتفع سقف طموحي إلى أن كنتُ أوقع قصائدي وقتها بـ"شاعر العربية الأول".
هل هي نكتة زمنية أن تغيرت علاقتي بالشعر كتغير مفهومه وأدواته نفسها على مدار تاريخه؟ لعلها كذلك وأنا أسير مع القصيدة العمودية بطموح كلاسيكي "سأكون أفضل من أحمد شوقي"، هو كتب يعارض البصيري في بردته "ريم على القاع بين البان والعلم" فكتبت "من قلب مكة برق لاح في الظلم".. لعبت كثيراً مع الأوزان، دندنتها في طريق الذهاب والعودة من البيت للمدرسة: مستفعلن فاعلن "ياخوف قلبي من هواه" "فعولن فعولن فعولن فعولن" "لئن كنت حقاً غريباً وحيداً". إلى أن جاء يوم الزلزلة الكبير في المرحلة الإعدادية "المتوسطة" يوم أن تعرفت على الإنترنت وانقلب عالمي أو تاه في العالم الافتراضي بزخمه الغريب على مفاهيمي ومعارفي، ظهرت أمام عيني أسماء كنزار قباني ومحمود درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان، المنتديات تنشر "قصائد" بشكل لا أعرفه، لا يوجد شطران، القافية أحياناً موجودة وأحياناً لا، العروض موجود بطريقة لم أقدر على استساغتها، لكن الكلام جميل، خاصة ذلك الشاعر الغريب المسمى صلاح عبد الصبور "حزن طويل كالطريق من الجحيم إلى الجحيم" ياإلهي! ما هذا الرجل؟ كيف يقول هذا الكلام الجميل؟ لكنه ليس شعراً أيضاً، الشعر موزون مقفى بشطرين!
..ثم وقع عليّ "محمد عفيفي مطر" كالصاعقة، تمكن من قلبي كالمصيبة، في ذلك الوقت في المرحلة الثانوية كنت أرى أن الشعر أرقى من أن يفهمه أي كلب، فتنتني لغته المعجمية التي تناسب نشأتي التراثية، صرت أكتب مثله، أتحرى العالم الغامض المغلق والكلمات المهجورة، وإذا قرأ لي أحد الأصدقاء ولم يفهم فهي لحظة انتصاري "المشكلة فيك مش في النص".. هكذا ربيت شعريتي في الظلام بهواء عطن.
الجامعة، مرحلة العودة إلى مصر، تركت الكثير ورائي: الدين، الأهل، الشعر العمودي. وأخدت معي التفعيلة على مضض. وتغير طموحي من شاعر العربية الأول إلى أهم شاعر في العالم، الذي سيحصل على نوبل في ثلاثينيته، لأكون أصغر من يحصل عليها. لم أكن أعرف بعد أن هناك مصيبة كبيرة اسمها قصيدة النثر.. أفزعني عماد أبو صالح بلغته المتقشفة وصوره البديعة، أفزعتني إيمان مرسال ووقعت في غرامها، علقت صورتها في غرفتي، تحولت إلى فتاة أحلامي، لكنني تمسكت بالتفعيلة، وكانت قناعتي أنهم يكتبون من دون وزن لأنهم لا يقدرون على التعبير به، أنا أفضل منهم "هكذا صورت لنفسي". لكنني في مرحلة الانقلاب الوجودي وأسئلتي عن ذاتي والعالم، تعبت من الصنعة، وجدت نفسي أكتب قصيدة النثر من دون أن أقصد، وتغير طموحي ثانية من أفضل شاعر في العالم إلى مجرد شاعر، أريد أن أصير شاعراً، شاعراً فقط لا غير.
تجربة كهذه التي حكيتها تصلح للتندر، للصحف الخفيفة، لأحكيها على المقهى مع الأصدقاء المهتمين بالأدب، لأنها ستصيب غيرهم بالملل، أنا اليوم في انتظار ديواني "لهواة الصيد" لعله يكون أقل فجاجة في التعبير عني.
([) أحمد ندا – شاعر مصري ولد عام 1986 – درس الطب - وصدر له ديوان "بعدَ ذهابهم بقليل"
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.