الرئيسية » » أيام في حياتهم | نونو جوديس

أيام في حياتهم | نونو جوديس

Written By Hesham Alsabahi on الأحد، 7 ديسمبر 2014 | 2:27 م

نونو جوديس
(شاعر/البرتغال)

استيقظ دوما باكرا، حوالى الساعة الثامنة صباحا، واحاول ان اعرف ما هي حال الطقس بفضل النور الذي 
يتغلغل الى غرفتي من رواق المنزل. اليوم مثلا، هناك ضباب خفيف ورطب، آت من دون شك من نهر التاج، لكني أدرك أنه سرعان ما سيتبدّد ما ان تطل الشمس وتنجح في الانتصار على هذا الكفن الرمادي وتفرض فرحها على المدينة. 
منذ اسبوع، بعد وفاة كلبي عن عمر 14 عاما، بات غيابه يرافقني كلما خرجت من منزلي. أتخيله قربي وأكاد اسمع نباحه الودود حتى عندما يكون غاضباً. مؤلم أن تفقد هكذا كائنا كان جزءا لا يتجزأ من نهارك وحياتك وطقوسك. امام منزلي فرنٌ، وفي قصيدة عن فرن في قريتي في الجنوب، كتبت اني اعُدّ دائما ارغفة الخبز لفتاة كانت تبتسم وهي تضعها في الكيس. هناك دوما فتاة تبتسم، لكنها لا تخطىء ابدا في العدّ. 
الخروج صباحا يسمح لي بتنشّق لشبونة، هذه المدينة التي تتغير بحسب ألوان الضوء المميز الآتي من نهرها الكبير ومحيطها الواسع. مدينة سحرية هي لشبونة. تأسر زائرها منذ النظرة الأولى فكم بالأحرى المقيم فيها؟ لكني لن أحدثكم عن مدينتي، آسرتي وأسيرتي. فالكلمات أقل من أن تعطي طعم لشبونة وهضاب لشبونة وأسرار لشبونة وشهوات لشبونة ولعبة الظل والنور في لشبونة. تعالوا. استسلموا لها وربما تمنحكم بعض فتنتها.   
اسكن على مقربة من الكلية حيث اعلّم الادب الفرنسي والشعر، وانتهز هذه الفرصة للمشي. الربيع الذي يقترب منا بعصافيره واشجاره المزهرة، يزهر ايضا على وجوه فتيات لشبونة، اجمل فتيات العالم. ستقولون إني منحاز وسأعترف أني كذلك. خلال الحصة التي اعطيتها اليوم، فكّرت عميقا في القصيدة التي حلّلتها أخيرا للرومانسي البرتغاليّ غاريت من القرن التاسع عشر: قصيدة عن فتاة عيناها من لون الليل، وصفها الشاعر ساعيا الى القبض على روحها المختبئة وراء ابتسامة طيّبة وساخرة وغامضة. أفكّر في القصيدة وأتساءل: أليس دائما للمرأة التي نحبّ عينان من لون الليل؟ 
خلال فترة بعد الظهر، بعد الصفوف، اعود الى المنزل حيث اكتب مع ساعات النهار الاخيرة. أزور مرة في الاسبوع بعض المكتبات ومنها الـ"فناك" التي فتحت ابوابها في العاصمة وشهدت نجاحا واسعا، كما أزور بعض بائعي الكتب القديمة حيث اجد باستمرار، كما لو بفعل معجزة، اعمالا لا تقدَّر بثمن تعود الى القرن الثامن عشر لشعرائنا الباروكيّين المنسيّين. إنها أعمال أسعى الى اعادة نشرها في طبعات جديدة كي يكتشفها قراء اليوم. 
غالبا ما أجد نفسي "متورطا" في نشاطات مرتبطة بالحياة الثقافية، وليس ذلك بالممتع على الدوام، ولكن ثمة ما لا يمكن التهرّب منه مهما أوتينا من إرادة وقدرة على الاختفاء. شاركت امس، على سبيل المثال، في برنامج اذاعي كان يُبثّ من مسرح في وسط المدينة، جمع بعض الملحنين الشباب الذين شاركوا في مسابقات لاعداد حفلات اوبرا صغيرة ستؤدّى مقاطع منها في عطلة نهاية الاسبوعين المقبلين. 
احيانا، انهي نهاري برحلة صوب الجنوب، وخصوصاً ايام الجمعة، حيث اكون على موعد مع البحر والريف. وتتمتع لشبونة بهذه الميزة: انها مدينة تسحرك بجمالها لكنك تغادرها بسهولة لتكتشف مناظر جديدة مختلفة عنها. ولكن مهما تكن تلك المناظر الجديدة التي تكتشفها جميلة، هي لن تكون ابدا أجمل مما أعطي لك، أي من لشبونة نفسها التي تخترع نفسها من جديد وباستمرار مهما تلتصق بها. هكذا بعض المدن والنساء: وجدن ليكنّ استثنائيات وخارجات على المألوف. ذلك قدرهنّ وقدر من يؤتى نعمة أن يحبهنّ ويحببنه. لشبونة هي على غرار "المرأة"، اعني امرأة حياتك، أعني امرأة قدرك، اعني تلك المرأة التي، إذا كنتَ محظوظا بما يكفي لكي تلتقيها، لن تكفّ عن الوقوع في غرامها مرارا وتكرارا مهما طالت علاقتكما، لأنك تعرف أنك مهما صادفتَ من نساء في العالم، ستظل هي الأجمل وهي الأعلى وهي الأكثر روعة وكمالاً. سرّ السعادة يكمن في معرفتك هذا اللغز بالذات. 
أنا أعرف. وعلى ضوء هذه المعرفة، أغرق في عتمة النوم مطمئناً تائقاً الى الغد كل مساء.


عن جهة الشعر
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.