الرئيسية » , , » الشاعر الجيد -4- | عز الدين مصطفى رسول

الشاعر الجيد -4- | عز الدين مصطفى رسول

Written By Poetry Bookeg on الجمعة، 20 فبراير، 2015 | 5:53 م


قيل لي إن معظم سهرات الجواهري كانت في نادي الضباط، ومع هؤلاء الضباط البارزين. كان الجواهري ميالاً للخمر طيلة حياته، و ذات ليلة تكلّم أثناء السهرة بعبارات تمس الدين فنهض محمد حنيدي و سحب مسدسه عليه، فقال له الجواهري: مسدسك هذا ضعه في ( ... مرتك). وأمسك الضباط بالحنيدي وأخرجوه، ووصل الأمر الى الرئيس القوتلي. لا أدري ماذا فعل مع الحنيدي، ولكنه أرسل الى الجواهري في اليوم التالي مظروفاً، فيه مبلغ كبير من الليرات السورية. فأخذها الجواهري وأخرج ليرة واحدة وقبلها ووضعها في جيبه وأعاد البقية الى (القاصد). وفي ذلك يقول:

دمشق: لم يأت بي عيش أضيق به 
فضرع دجــــــــــــــلة لو مسحت درار
وثم، لولا ضمير عاصم، خفرَ
للمغريات و(للبترول) آبار
لو شئت كافأ مثقالاً أصرُفه
شعرا من الذهب الإبريز قنطار
يا سادتي ان بعض العتب منبهة
لغافلين وبعض الشعر أشعار
أنا (العراق) لساني قلبه ودمي
فراته، وكياني منه أشعار
* * *
عاد الجواهري الى العراق، وأعطته الحكومة قطعة أرض في العمارة، وأظن بصفته صحفياً. كان قد انزعج من سوريا ولا يريد الحياة في بغداد.
لا أعرف مدى نجاحه في الزراعة ومدى ارتجاحه في تلك الحياة المنعزلة، ولكنني أعرف أنه لم يفارق إحساسه شاعراً. ومن قصائده المشهورة لتلك الفترة القصيدة (الى راعية الغنم في العمارة). الديوان ليس في متناولي الآن، ولكنني أتذكر (يا أم عوف) (حالكات ليالينا) وأشيع في حينه أنه تزوج (راعية الغنم) لكي لا يكون وحيداً في العمارة. 
عبد الكريم قاسم والجواهري:
للجواهري والشهيد عبد الكريم قاسم قصص طويلة ومثيرة.
في العام 1947 (على الأغلب) أرسل وفد صحفي عراقي الى لندن للاشتراك في مناسبة صحفية. وكان الجواهري بصفته صاحب صحيفة ورئيس تحرير عضواً في الوفد، وفي لندن كان معظم الأعضاء يمجدون بنوري السعيد والحكم الملكي فانفصل منهم الجواهري، وعقد ندوة وطنية للطلبة. يروي الجواهري ويروي الناس أن ضابطاً وطنياً كان يدرس في كلية الأركان بلندن وهو برتبة رئيس أول (رائد) أو (مقدم) زار الجواهري وألحّ عليه في أن يخدمه بأخذه الى عيادة طب أسنان لمعالجة أسنانه، ودفع الضابط بإصرار التكاليف.
مرت السنوات ولم يلتق الجواهري بصديقه الضابط مرةً أخرى، وكان الجواهري قد أخذ قطعة أرض في العمارة وانشغل بزرعها بعيداً (عن الناس والأجناس)، وله عن تلك الفترة قصائد سأعود إليها.
وانتصرت الثورة في الرابع عشر من تموز 1958 والجواهري في مزرعته، كان يروي لنا أنه لم يرد أن يتباهى وينتهز الفرصة الى أن اتصل به ابنه فرات وقال له: يا أبي أن الزعيم عبد الكريم قاسم اتصل بنا عدة مرات ويسأل عنك ويقول: (إنه شاعر الثورة، أين هو، ولماذا لا نسمع صوته).
قال الجواهري: تركت المزرعة ولم يكن هناك جهاز تلفزيون، ووصلت مدينة العمارة، وهناك رأيت صور قادة الثورة، فإذا بيّ أجد أن عبد الكريم قاسم هو صديقي الذي أخذني لمعالجة أسناني، ولم أره منذ ذلك الحين وكنت قد نسيت اسمه. ويقال إن عبد الكريم قاسم اعتبر التأخر تقصداً من الجواهري فحمل تجاهه نوعاً من اللوم أو الضغينة. ومع ذلك نظم الجواهري قصائد عديدة عن الثورة صادرة من أعماق قلبه.
ووقع حادث في "الميمونة" في الجنوب كتبت عنها بعض الصحف، وخلاصتها أن الشرطة في "الميمونة" اتهمت بالاعتداء على نساء موقوفات. فكتب الجواهري افتتاحية في جريدته فيها عبارة تشير الى أن مثل ذلك لم يحدث حتى في عهد نوري السعيد. كان عبد الكريم قاسم يتوقع أن يدافع الجواهري عنه وعن حكمه وينفي المسألة. وكان الجواهري في زيارة له مع الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء التي يرأسها الجواهري . ولم يخف الشهيد عبد الكريم قاسم ما في خاطره فتطرق الى المسألة والى مقال الجواهري. لم يسكت الجواهري فرّد عليه بما يناسب المقام. فأخذ الغضب المعتاد ثورته عند عبد الكريم فقال له: أنت لا تتكلم عن نوري السعيد، وأنت عميل لنوري السعيد، أنا عندي وثائق.
روى لي كل من المرحوم الدكتور صلاح خالص والمرحوم حسين مردان الحادث، كل بأسلوبه، كان حسين يقول: هذا مخبلّ وذاك مخبلّ، احنا وين نولي. وكان المرحوم يوسف العاني بأسلوبه الساخر يضع معصميه على بعضهما ويعني أن القيد (الكلبجة) حاضرة لنا. ثار الجواهري عند إشارة عبد الكريم قاسم للوثائق فقال له: ما أقول لك أخوي، ولا زعيم، أقول كريم ... كريم ... أتحداك .... كريم أتحداك ... جيب وثائقك. خرج عبد الكريم قاسم من غرفته الى غرفة مجاورة فيها كتبه، فلم يجد شيئاً، إلا ديوانا للجواهري مهدى الى (فخامة رئيس الوزراء السيد نوري السعيد)، وهذا شيء روتيني. وكان عبد الكريم قاسم قد رأى ذلك ويظن أن فيه إطراء أو ثناء على نوري السعيد، فعاد هادئاً وجلس في مكانه وقال: أبا فرات ... أنت أخوي، يجب أن تكون إلى جانبي ولا تتكلم ضدي وأطلب مني ما تشاء.
أجاب الجواهري: ما أريد شيء منك. البلد الذي تحكمه أنت أنا ما أعيش فيه، أعطيني جواز سفر حتى أسافر للخارج. وكان رحيله الى براغ بعد ذلك الحادث. وما يجب أن يذكر أن عبد الكريم قاسم حضر مؤتمر الأدباء العراقي، قبل هذا اللقاء وألقى كلمة أتذكر منها: أيها الأدباء إننا سنختار رئيسكم الى جوارنا. ويقصد أنه سيختار الجواهري وزيرا للإعلام.
فما يجب أن أدونه عن الجواهري هو ما قاله لي عن نسبه. فذات مرة كنا نتحدث عن ما تكتبه بعض الصحف القومية العربية عن كون الجواهري (فارسياً)، و هذه مهزلة في أفكار هؤلاء، فالأمم تحاول كسب نسب العباقرة إلى جانبها و هؤلاء يريدون إعطاء (شاعر العرب الأكبر) إلى الفرس (دون ثمن). صار يضحك من الأمر وقال لي: عزيّ، أنت ابني لذلك أقول لك الحقيقة نحن آل الجواهري عرب ومن البدو، جاء جدنا الى النجف الأشرف ونبغ فينا من نبغ من المراجع، ولم يكن أحد منا في إيران غير أخي عبد الهادي، الذي أنهى دراسته في الحوزة العلمية في النجف وذهب الى المنطقة العربية في إيران ليمارس عمله مثل رجل علم ودين. فسألته: لما هاجموك بهذه الحجة، لماذا لم ترّد عليهم؟ قال: أنا أربأ بنفسي أن أنكر انتسابي لأي شعب كان، فالشعوب عندي واحدة ولها احترامها فماذا لو كنت كذا وكذا.
وقرأت موقفاً مشابهاً عن عباس محمود العقاد مسجلاً في كتابه.
ففي الحرب العالمية الثانية، عندما وصل رومل قائد الجيش الهتلري الى العلمين وكاد أن يصل القاهرة، تركُ معظم المعادين للفاشية القاهرة وسافر العقاد برفقة النقراشي (رئيس الوزراء) إلى الخرطوم، إذ كانت السودان تحت حماية الإنكليز.
وذات يوم نظم السودانيون رحلة للنقراشي وأصحابه في النيل على (يخت)، كان العقاد يجلس الى جانب ضيف جاءه، تأخروا عن الموعد، فجاء منظم الرحلة ليقول للنقراشي: فخامة الرئيس لقد تأخرنا. فأجابه: إن العقاد ينتظر خاله ليأتيه ويأتي معنا. فقال الرجل: فخامة الرئيس ألا ترى العقاد يجلس الى جانب خاله منذ ساعة؟ قال النقراشي كيف يكون هذا خال العقاد، فهذا الرجل أرزق العينين وله شعر أصفر ... الخ، قال: كلا فهذا خاله.
سأل النقراشي العقاد عن ذلك أثناء الرحلة، فقال: نعم هذا خالي، فأنا كردي من ديار بكر، كان جدي يأتي بعقد الحرير من ديار بكر ليبيعها في القاهرة ويعود وسمىّ لذلك بالعقاد، ثم قرر أن ينقل أسرته لتسكن في مصر، وأنا حفيد (كريم أغا الكردي) الرجل الذي حرر السودان. فقال النقراشي: إذن لماذا لم تقل شيئاً عن ما كتبوا عنك في مصر أنك سوداني و والدتك هي (حمشة الحبشية السوداء). فقال: أنا أعتز بكرديتي، ولكن أربأ بنفسي أن أنكر انتسابي الى السودان أو الى أي بلد، فالشعوب عندي سواسية.
موقف موحد بين رجلين، من شعبين مختلفين ومن اتجاهين فكريين مختلفين.
* * *
كان الكاتب والصحفي المعروف محمد حسن الصوري قد أقام في الصين فترة وعمل في تدريس اللغة العربية، وجاء في عطلة صيفية الى براغ، دعاه الجواهري وشرّفني بالجلوس معهما، كان الصوري يمتدح الصين بكل ما فيها من جمال وبناء وتقدم وعمل من أجل الشعب.
وكان الجواهري يردد: هذا هو الشعب، هذه هي الأمة، لا ما قال شوقي (طاح حظه) أمة تبني الحياة. وأخيراً قال سآتي معك للصين يا صوري، فقال له الأستاذ الصوري: ستلقى كل تكريم وترحيب يا أستاذ.
كان الجواهري قد شرب حتى الثمالة فقال: صوري عندهم بنات حلوات، أجاب الصوري: هاي لا تحضى بيها أستاذ هذا شيء ممنوع، قال: جا ... ش عندهم، عندهم؟
- لا يا أبا فرات .. لا .. لا. فقال: إذن أرجع وحدك يا صوري .. أنا ما أجي ..
أقول ليته لو رأى الصين، ليتحدث بأعجاب ويكتب عن حضارة ألوف السنين.
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.