الرئيسية » » عندما وقّع محمد البلتاجي على "تمرد" | وائل قنديل

عندما وقّع محمد البلتاجي على "تمرد" | وائل قنديل

Written By Poetry Bookeg on الأربعاء، 4 مارس 2015 | 4:45 م

الوصف الأدق لما يسمى "ثورة 30 يونيو" في مصر، هو "ثورة 30 مليار دولار"، أو "ثورة الثلاثين حباية"، بلغة قادة التسريبات.
لقد اعترفت وزارة المالية المصرية بالحصول على 23 مليار دولار من دول الخليج الراعية للانقلاب، على الرغم من أن التسريبات الخاصة ببداية عام 2014 أنبأت بثلاث عشرات من مليارات الدولارات من ثلاث عواصم، ومن يناير/كانون الثاني 2014 إلى بداية 2015، لا بد أنه جرت تحت جسر الانقلاب مليارات أخرى كثيرة، تقدرها بعض المصادر بمثل ما أعلنته وزارة المالية.
الشاهد، إذن، أنك أمام ثورة مضادة غير مسبوقة في التاريخ، ثورة أجيرة، أو مستأجٓرة، ممولة من المنبع حتى المصبّ، تلعب بالتاريخ وتتلاعب بالأرقام الكاذبة.
لقد بدأ اللعب في الأرقام مبكراً للغاية، بإعلان حجم التوقيعات على استمارات "تمرد" برعاية المؤسسة العسكرية في نهايات 2012 وبدايات 2013، حين راحت الأذرع الإعلامية تتحدث عن أرقام أسطورية، بلغت في آخر إعلان عنها ثلاثين مليون توقيع، تماما كما كتب سيناريست ومخرج الثلاثين من يونيو، أن ثلاثين مليوناً من البشر خرجوا لإسقاط الرئيس.
وتسجل الذاكرة أن الشاعر الكبير الراحل، أحمد فؤاد نجم، كشف في حوار تليفزيوني، قبل الانقلاب بشهور، أنه وقع وحده 16 مرة على 16 استمارة تمرد.
وفي تلك الأثناء، فوجئ كثيرون من أصدقاء أعرفهم، بأن أسماءهم وبياناتهم منشورة على الموقع الإلكتروني مؤيدين لحملة "تمرد"، من دون أن يتحدث معهم أحد، أو يستأذنهم في الزج بأسمائهم فيها. وتبين أن قوائم الموقعين على بيان التغيير ضمن حملة المليون توقيع التي تبناها الدكتور محمد البرادعي والجمعية الوطنية للتغيير انتقلت، بقدرة قادر، وبترتيب الأسماء، إلى قوائم حملة تمرد. وعلى عهدة أحد الأصدقاء، كان من بين الأسماء اسم الدكتور محمد البلتاجي، القيادي في حزب الحرية والعدالة والإخواني المعروف.
وإذا كان هذا الأمر قد دفع بعض الموقعين، رغم أنفهم، إلى التفكير في اتخاذ إجراءات قانونية، فإنه، بالنسبة لي، كان مثيراً للأسى على هذا الصنف من الغضب والاحتجاج، والذي لا يعبأ كثيراً بأن يوجد له أرضية أخلاقية، تقترب في نقائها واتساقها، من أرضية الغضب الذي سطع في ثورة 25 يناير.
إن الثورات، في عمومها، هي حصيلة شراكة أخلاقية وقيمية، وليست شركات هادفة للربح، أو للقبح، كما تكونت 30 يونيو التي كانت، في نظري، أقرب إلى واقعة نشل، أو عملية سطو مسلح، على سلطة رئيس منتخب، بدعوى حماية مدنية الدولة.
كانت تحالفاً بين فرقاء وغرماء، متناقضين فكراً وسياسة، لكنهم متفقون تجارياً وبراغماتياً، إذ كان يستحيل، عقلاً ومنطقاً، أن يجتمع محمد البرادعي والجيش والوفديون والناصريون وفلول مبارك وأحمد شفيق في فريق واحد، يرتدي قمصاناً صُنعت في "جبل علي"، لتنفيذ مهمة غير أخلاقية، إلا إذا كانت لغة البيزنس تعلو لغة الثورة والمبادئ.
وقبل الانقلاب بأسابيع، كان أحمد شفيق، في حوار تلفزيوني مع مصطفى بكري، يذيع سراً لم يتوقف عنده أحد من نجوم يناير الذين تحولوا إلى "كومبارس" في يونيو، إذ قال شفيق إن جبهة الإنقاذ أوفدت له مخرج 30 يونيو للتفاوض "بعتولي السنة اللي فاتت اللي اسمه خالد يوسف ده دبي علشان يشرح لي طلبهم إننا نتعاون مع بعض".
لقد كانت الصورة خليطاً عجيباً من أصوات الثورة وأبواق اللاثورة، في حالة عناق صنعت بعناية في ورش الزيف والتضليل داخل معسكر حرق المرحلة.
لقد لعبوا بالأرقام وبالعقول وبجماجم شهداء سقطوا، لأنهم صدقوهم. سجل يا تاريخ.



التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.