الرئيسية » , » قراءة تحليلية في ديوان " الوردة في منديل أبيض " لصابر العبسي | الشاعرسليم الحاج قاسم

قراءة تحليلية في ديوان " الوردة في منديل أبيض " لصابر العبسي | الشاعرسليم الحاج قاسم

Written By Hesham Alsabahi on الجمعة، 8 مايو 2015 | 6:56 م

قراءة تحليلية في ديوان " الوردة في منديل أبيض " لصابر العبسي
 الشاعرسليم الحاج قاسم


الدرس الشكلي: 
أوّلا، من الناحية الشكلية، يتكوّن الكتاب من جزأين، أحدهما نثري، و هو المقدّمة بقلم الدكتور مصطفى الكيلاني، و ثانيهما شعري يحتوي على من خمسة و أربعين قصيدة، تندرج كلّها ضمن الشعر الحر، مع تميزها باشتغال تفجيري للتفعيلة أعطى النصوص حرية أكبر من الناحية الموسيقية الإيقاعية. ثانيا، يتداخل في الكتاب كلّ من المستوى البصري، كتوزيع الأسطر و التفضية مثلا، مع المستوى التركيبي اللغوي، لخدمة غموض المعنى. من هنا تطفو على السطح تقنية الاِشتراك التركيبي الذي يلفت نظر القارئ إلى تعدّد القراءات الممكنة و بالتالي تجدّد المعنى من قراءة إلى أخرى:
تلك الطيور التي أورثتني الرؤى
حملتني إلى الأبدية
عند الصباح،
عثرت عليها
مجمّدة في الفضاء [1]

ما يبرّر الاِشتراك التركيبي للظرف ألزماني هنا، ( عند الصباح ) هو ارتباطه الوثيق بمصطلح الأبدية الذي يستدعي المقدّس الديني و الأسطوري معا. العلاقة نفسها، تلك المقامة بين الصباح و الأبدية هي علاقة مقدّسة كما جاء في كتاب التعاليم الأساسية للدّين، حسب لامبار مارشان: " من بين كلّ لحظات اليوم، يبقى الصباح الخطوة الأولى نحو الاِنعتاق، أي نحو الأبدية "[2]. بتعمّق درجة هذا الاِشتراك، يتشكّل النصّ بطريقة تناظرية وظيفية في تطعيم درجة الشعور بالحيرة الذي يزدوج ظرفيا و شكليا في آن واحد. ظرفيا، لأنّ السماء المدججة بالسواطير أصغر من أن تحتوي الفراشة، و شكليا، لأن الفراشة في مخيلة الطفل أوسع من أن يحتويها لون غير لون الدماء، كما يقول الشاعر، و حين لم يلائم هذا اللون طقس البراءة الطفولية، تشرّدت الفراشة في المكان، و استحال اكتمال تشكّلها في الواقع دون لون. تطفو صورة الفراشة الغير مكتملة في آخر النصّ لتفتح الآفاق من جديد لرسمها مكتملة، أمل لم يتحقّق لحظة انبثاق النص، و لكنّه أجّل لما بعد : " الآن أمسى بوسعك رسم الفراشة" [3]. 

1- صابر العبسي، الوردة في منديل أبيض، دار زينب للنشر 2014، ص 71. 
2- توماس لامبار مارشان، التعاليم الأساسية للدين،  منشورات مؤسسة جوستنيان، 2004، ص 26. 
3- صابر العبسي، مصدر سابق، ص 70. 
شعور طفولي يغلب على النصّ حتّى يستعمر كل الحقل اللفظي. من واجهة التركيب الأول الى الثاني، تتمدّد مساحة الحيرة سواء من الناحية المادية، أي طغيانها على بياض الصفحة، أو من ناحية المعنى، و تتمطّط زمانيّا، حتى يأخذ العمر بأكمله ظلمة الليل، و يأخذ الليل المظلم طول العمر بأكمله في تصريح تناظري واضح:
و لكن لسوف تحار                                                     و لكن سوف تحار                                                               
تحار الى آخر الليل في أيما جهة جهة                               تحار الى آخر العمر 
سوف تطلقها                                          كيف  تلوّنها [4]

يمكن اعتماد الشعور بالحيرة كمحور بحث رئيسيّ، محور يضطلع بدورين نقيضين، دور معنوي يتمثّل في بثّ أعداد لا متناهية من الاِمكانات، و دور شكلي، نقيض الأوّل، يهدف الى هندسة جغرافيا القول الشعري عبر التكرار، و عبر التوقف الدائم على هذا المحور، ففي كلّ حيرة سؤال، لا حلّ قطعيا له، بل سكت مفتوح على كلّ الاِمكانات: و بعد كلّ سؤال بياض صامت:
لكنّي سأحار
في أي مكان أدفنها
في أي مكان في القلب ؟
ستمسي جثتها  
(                      )

تحار الى آخر الليل في أيما جهة سوف تطلقها
و السماء مدججة بالسواطير 
(                 )

تحار ...
كيف تلوّنها 
أي لون يليق بها 
بمفاتناها 
غير لون الدماء ؟

في أي مكان أدفناها ؟ [5]


4- صابر العبسي، مصدر سابق، ص 64. 
5- نفس المصدر. 
في مقابل عالم الطيور الموصوف بالانفتاح على الأقاصي التي تحتلها الحيرة، نجد عالم المدينة، المحدود، المتناهي، نجد المحطة التي لا تفضي إلى مكان، سوى الجدار الثابت.  في قصيدة " جدار المحطّة "، تستحيل الحيرة إلى سكون و ثبات قاتل. يكشف البعد السرديّ للقصيدة عن شطرين مفصولين ،معنويا، عبر دخول شخصية ثانية على الخط ( الصديق الشاعر المرافق، و القصيدة مهداة إليه )، و شكليا، عبر البياض الفاصل.  تنتمي هذه التقنية أساسا إلى العالم الفني المسرحي، إذ أنه في المسرح الكلاسيكي لا ينتهي مشهد ليبدأ آخر سوى بدخول شخصية أو بخروج أخرى.  تأخذ صورة الطيور عامّة وظيفة محورية، و يمكن أن نستشف من خلال السياق أنّ هذا المحور يستدعي دائما شعورا بالحيرة و الاِنتكاس، و لا يعتبر المثال السابق استثناء لهذه القاعدة. يظهر محور الطير مرتبطا باحتفاء باليومي البسيط، يعكس حالة من الاِنتكاس تتجلّى من خلال طغيان تراكيب النفي:
لم يقل للحمامة كفي عن الزجل العذب
لا، لم ينل في الليالي احترام السكارى
و لا بائعات الحليب بلا ثمن. [6] 
أما في مشهد القصيدة الثاني، و الذي يشهد انطلاقته بدخول " شخصية " ثانية في الاطار ( الشاعر الرفيق )، فاِنّ محور الطير و الطيران و الاِنفتاح يختفي تاركا مكانه الى عالم من الجدران، من الانغلاق (في مقابل الاِنعتاق)، حيث يحتفي النص بالأجوبة، أجوبة يركن اليها الشاعر باحثا عن المعنى و الثبات. أجوبة شتّى، لسؤال واحد:
                                                        1 - تحتضن الله محتفظا كالفراشة بالطفل فيك ...
                                                        2- تجنح للهدم ...
   ماذا ستفعل لو ظفروا بك ؟                    3- تطعم لحمك للخيل و الطير ...
                                                        4- تخلع قلبك شرنقة للفراشات ...
                                                        5- تمنح روحك للريح ... [7]

غير أنّ كلّ هذه الأجوبة، كغيرها من الأجوبة، ستنخرط بدورها ضمن دورة ارتدادية الى اللانهاية. أجوبة تستبق الأسئلة التي تليها و تحتفي بها، أجوبة ذات ارتباط وثيق بمحور الخفة و التذبذب المرموز اليه بصورة الطير و الريح. لا يكاد شطر شعري يخلو من احالة الى هذا المحور الرئيس. الطير هو ذاك الرسول بين الأرض و السماء، بين المدنّس و المقدّس، بين العلوّ و الخفوت، و بين الخلود و الزوال. الطير هو الرغبة الجامحة في الاِنعتاق، رغبة لإهداء الروح إلى الريح، لإطلاق عنانها نحو المجهول. 

6- نفس المصدر، ص 119. 
7- نفس المصدر، ص 120. 
الحقل اللفظي المرتبط بالطيور هو أثرى تلك الحقول و أغناها، اِنّه يطغى على كلّ القصائد حتى استحالت للديوان ككلّ أجنحة كثيرة تمنعه من السقوط، حقّ لهذه الوردة أن تسكن منديلا أبيضا قابلا للطيران مع أوّل هبّة ريح، عوض أن تُشبّثها عروقها بالسديم و تأسرها فيه. شيئا فشيئا، تبدأ منظومة العلاقات بالتشكّل، بالتقارب أحيانا، بالتباين و الاِختلاف أحيانا أخرى. 
                           
الدرس المعنوي:               
الماوراء غير المفارق - جدل ثلاثي: الطبيعة – الأنا – الآخر ( الأنثى ). 
تشكّل الجسد في مقابل تشكّل العالم – جدلية الذات و الغير.
الحركات المعنوية الاِرتدادية: خلاصة. 

1)
 يزخر النصّ بصورٍ اِنفصالية، تتوق لمفارقة الأرض دون أن تنجح – يقول بودلير في قصيدة القطرس L’Albatros: 
" الشاعر منفي على الأرض في وسط الصراخ
جناحاه الكبيران يمنعانه من المشي " [8]. 

عادة ما تتمظهر الطبيعة في عناصر الخلق الأول: الماء، النار، الهواء، التراب، أي في انبثاقها من العدم، أمّا عند الشاعر صابر العبسي، فاِنّ الطبيعة تفقد " أصالتها " و تخرج من دائرة الألوهة لتتمظهر في اكتمال العناصر داخل جسد واحد، جسد يربط السماء بالأرض عبر الطيران ( طيران هو عنوان لقصيدة ضمن العمل ). ذوات الأجنحة تحتلّ العالم الشعري للديوان حتى لكأنها تحجب الرؤية لتوسّع في الرّؤيا. يمكننا تعداد نماذج بعينها منها: 
1 – الدبابير (ص 27 )                                              5 – اليمامة ( ص 52)
2 – العصافير ( ص 35-37)                                      6- الطيور ( ص 71 )    
3- الفراشة (ص 41-62-65-67-104)                         7 - العنقاء (ص 81) 
4- النوارس ( ص 46 )                                             8- الخفافيش ( ص 83 )
                                                  9- الحجل ( ص 94 )
 10- السنونو ( ص 95 )
    11– الحمامة ( ص 108 )
12 – البعوضة ( 98 )
                                                  13 – الذباب ( ص 111).
8- شارل بودلير، الأعمال الكاملة، جاليمار ص 9.
             انّ ارتباط صورة الطائر بكلتا العالمين: الأرضي و السماوي، أو بعبارة أدق، " السمائي " هو ليس شحنا لها بمعطة قُدسي، بقدر ما هو تنزيه لها عن جريان السنن الأرضية. من هنا يكتسب الطائر كنها جديدا، بين المقدس و المقدّس، انه يكتسب كنها شعريا، ذلك أن الطيور تخرج من "حيوانيتها"، من شكلها الجسدي الملموس لتصبح شاهدة على العصر و حادثة في التاريخ: 
بيد أن العصافير 
قد عثروا في الضواحي عليها 
منتفة الريش، ممزقةَ
رغم ذلك،
قال المؤرّخ:
ظلّت تغنّي[9]. 

2)  تشكّل الجسد في مقابل تشكّل العالم – جدلية الذات و الغير
بدءا من العنوان، يُلغي الشاعر أي امكانية لتأويل لفظ الوردة، و ذلك بالزج بها داخل ظرف مادي موصوف غريب عنها في الظاهر: المنديل. جاءت الوردة معرفة بالألم و اللام، و جاء المنديل معرّفا بالبياض. ارتباط المنديل بالوردة لا يعني هنا الاِحاطة بها، أو تطويقها، أو احتواءها، أو حتى اختزالها فيه، و اِنّما على العكس تماما، فهو يشحنها ببعد ماديّ شارف على التآكل و الذوبان منذ أن ارتبط لفظ الوردة في الشعر بكل ما هو سواها، أي بكل ما هو حب، قلب، شعور ... 
من خلال العنوان، كما هو في سائر الديوان، يلحظ القارئ ميلا صريحا نحو التجسيم، ذلك أن الشاعر بصدد صناعة عالمه الشعري من طين الخلق الأول، عالم سميك و محسوس دون أن يلغي البعد الصوري و الرمزي له. اِنّ كلّ المجرّدات، تصبح بين يدي صابر العبسي، خاضعة لقانون الجاذبية، مجسمة و محسوسة. من هنا للصوت جسدا " ممسكة موّالا من قرنيه "[10] ، و صار من الممكن اِمساك الهواء بقبضة اليد " صار الهواء حجارة "[11]. من هنا، يدخل النص في لعبة مخاتلة مع مكوّنات العالم، يُخضع هذا الأخير لقانونه المحسوس [12]، ليخدعه فيتجرّد من جسده و يقطع هذه العلاقة الحسية، في بحث غير مباشر، رقيق عن تجربة لا حسية ما، عن تجربة صوفية من الصوف و ليس من الصفاء، أي عن تجربة
9-صابر العبسي، مصدر سابق ص 37. 
10- نفس المصدر، ص 41.
11- نفس المصدر. 
12- يمكننا هنا الإحالة إلى النص القرآني في قوله تعالى في سورة الحج أية رقم 46: " فاِنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور".ذهب المفسّرون في اشتغالهم على عبارة القلب في القرآن الكريم الى فهمها مجازا، بمعنى الوجدان و الضمير. و لكن جمهور المفسرين أجمعوا على أن القلوب في هذه الآية، مقصود بها عضلة القلب الحقيقي،و ذلك لورود التخصيص المكاني المحدد للمعنى " التي في الصدور ".اِذا، بالنسبة للعنوان " الوردة في منديل أبيض " فاِن الشاعر قد وضع الوردة، التي طالما قُرأت في الشعر مجازا على أنها الشعور، الحب، الرقّة، و غيرها، في اطار ملموس " المنديل " من أجل توقيع المعنى في بعده الأول، أي الوردة كما هي في الطبيعة، مجرّدة من ملصقات الشعراء المعنوية عليها. 
جديدة، متجدّدة لا تاريخ لها و لا ماضي، حتى لكأن الجسد يتحوّل في حركة ارتدادية أولى، الى عائق:

" قلبي الذي ما كان اِلاّ جثة
قلبي الذي أقصيته عن أضلعي
و رميته في سلّة
لأصير أكثر خفة 
لأصير أكثر حكمة [13]. 

3) الصور الاِرتدادية:
يتشكّل العالم الشعري في مجموعة الوردة في منديل أبيض عبر مجموعة من الصور الشعرية التي تربطها ببعضها البعض حركات ارتدادية ايحالية. كلّ صورة تحيلك الى الأخرى اِمّا بنسج علاقات مباينة، تضادّ أو مجانسة. اِنّ محاولة تخطّي ثقل الجسد بالطيران، المذكور بعبارة صادمة في صراحتها " أحاول أن أطير " ليس في حقيقة الأمر سوى صورة عكسية لاِثبات هذا الثقل الجسدي لكلّ مجرّد، لكل ما لا جسد له، أي لما يختلج داخل الذات دون أن يتكشّف خارجها. اِنّ إعطاء الشعور جسدا، هو ما يبديه للشاعر و للقارئ معا. كلّ ما يرتبط بالذات يأخذ شكا الجسد:
حاضنا يأسي أسلّيه، أدغدغه لآكله 
لآكل أنفه، فمه، محياه. [14] 

اِنّ كمّ العلاقات الارتدادية هذا يخلق مجموعة من الصور المتضادّة التي تنعكس على اللغة الشعرية و تراكيبها، حتى يأخذ النص بالتشكل بطريقة مزدوجة، ما تقوله اللغة و ما يقوله الشكل:
غابة اللوز التي أشجارها تتيبس قد أزهرت. 
كل هذا اِذن 
عشته ميتة ميتة ز أنا في انتظار القطار 
صباح الأحد.

13- صابر العبسي، مصدر سابق، ص 52. 
14- نفس المصدر، ص 55. 

في الختام، نقول بأنّ الوردة في منديل أبيض هو احتفاء بالعالم ليس في ما يهديه من مشاهد، ألوان، و لا أشكال، و اِنّما فيما ينسجه من علاقات بين هذه الأشكال. اِنّ سعي الشاعر للتماهي مع هذه العلاقات، للتحوّل الى عنصر من عناصرها تضلّ محدودة، محكومة بجاذبية الأرض التي تمنعها من الطيران، و هذا ما أشار اليه الدكتور مصطفى الكيلاني في قوله: " رغبة صابر العبسي معطلة و ان حفزها الارتغاب المتكرر لأنها بلا جناحين، اذ هما من زبد، حجر، خشب، و هي الرغبة المتنازعة بين الكمال و النقصان".[15] اِنّ هذا النقصان عينه المخفي في وراء وعي الشاعر، كي لا نقول في لاوعيه، جعله يخرج من تقمّص الفراشة، الى رسمها، اِنها ملحمة داخل الذات، تلتئم أحداثها كي يصير بوسع الشاعر، و بوسع الطفل فيه، و بوسع القارئ أن يرسم الفراشة، آملا أن يطير بجناحين من ورق. 















15- مصطفي الكيلاني، مقدمة الوردة في منديل أبيض، ص 12. 
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.